44 مليوناً مرتب مسؤول… ونقص الغذاء يهدد الملايين.!

 تيسير المبارك

 

بينما يبحث ملايين السودانيين عن رغيف خبز، أو جرعة دواء، أو وجبة تسد رمق أطفالهم في معسكرات النزوح والملاجئ، تتداول الأوساط السودانية أرقاماً عن رواتب ومخصصات كبار المسؤولين، لتفتح من جديد باب الأسئلة حول أولويات السلطة في بلد يعيش إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه.

وإذا صحّت الأرقام المتداولة بشأن حصول محافظ بنك السودان المركزي على راتب شهري يبلغ 44 مليون جنيه سوداني، فإن القضية لا تتعلق بشخص بعينه، بل بما تعكسه من فجوة هائلة بين واقع المواطن، ومستوى الإنفاق على قمة هرم الدولة.

كيف يمكن لمسؤول أن يتقاضى هذا المبلغ، بينما آلاف الأسر لا تجد ما يكفي لإطعام أطفالها؟

كيف يمكن تبرير هذه الامتيازات، بينما يقف ملايين السودانيين في طوابير الإغاثة، وينتظرون سلة غذائية قد تصل وقد لا تصل؟

إن الدولة التي تطلب من شعبها الصبر، مطالبة أولاً بأن تقدم نموذجاً في التقشف والشفافية. فلا يمكن الحديث عن شد الأحزمة بينما تبقى أحزمة السلطة فضفاضة على نحو يثير غضب المواطنين.

لقد دمرت الحرب الاقتصاد، وانهارت قيمة العملة، وارتفعت الأسعار بصورة غير مسبوقة، وأصبح راتب الموظف العادي لا يكفي أياماً معدودة. أما النازحون، فقد تجاوزوا مرحلة الحديث عن الرواتب أصلاً، لأن كثيرين منهم فقدوا كل شيء؛ المنزل، والعمل، والمدخرات، وحتى الأمل.

في مثل هذه الظروف، تصبح العدالة في توزيع الموارد قضية أخلاقية قبل أن تكون اقتصادية.

ليس المطلوب أن يعيش المسؤولون في الفقر، ولكن المطلوب أن يشعروا بما يشعر به المواطن، وأن يدركوا أن المنصب العام تكليف، لا امتياز مفتوح على حساب شعب يواجه المجاعة والمرض والنزوح.

الأخطر من قيمة أي راتب، هو الرسالة التي تصل إلى المواطن عندما يرى الهوة تتسع بين حياته اليومية وحياة من يديرون شؤون الدولة. إنها رسالة تقول إن هناك من يعيش الأزمة، وهناك من يديرها من خلف المكاتب المكيفة.

لقد أصبح السودان بحاجة إلى مراجعة شاملة لأولويات الإنفاق العام. فالأموال التي تصرف على الامتيازات يمكن أن تساهم في دعم المستشفيات، أو توفير الأدوية، أو تحسين خدمات المياه والكهرباء، أو مساعدة آلاف الأسر التي تعيش تحت خط الفقر.

إن المسؤول الحقيقي هو من يبدأ بنفسه، ويقدم نموذجاً في تحمل أعباء المرحلة، لا من يطالب المواطنين بالصبر بينما يعيش بعيداً عن معاناتهم.

ولذلك، فإن الشفافية أصبحت ضرورة لا رفاهية. من حق السودانيين أن يعرفوا كيف تُدار الأموال العامة، وكيف تُحدد رواتب كبار المسؤولين، وما المعايير التي تحكمها، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابة عنه: هل أولويات الدولة اليوم هي حماية المواطن المنهك من الجوع والنزوح، أم حماية امتيازات المسؤولين؟

فالأوطان لا تُقاس برواتب كبار موظفيها، بل بقدرتها على صون كرامة أبسط مواطنيها، وحين يموت الناس جوعاً، تصبح كل الأرقام الكبيرة عنواناً لأزمة أكبر من مجرد ميزانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.