من نار الحرب إلى رماد الديمقراطية.. إلى أين يتجه السودان بعد أبريل؟

بقلم: يوسف عزالدين

منذ اندلاع شرارة الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، انزلق السودان في نفق مظلم أعاد صياغة واقعه السياسي والاجتماعي بشكل جذري.

وشاهدنا، ولا نزال نعيش، الصراع المسلح العنيف بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، والذي لم يكن مجرد مواجهة عسكرية على السلطة والنفوذ، بل كان طعنة في خاصرة ثورة ديسمبر المجيدة التي علّق عليها السودانيون آمالهم لبناء دولة مدنية ديمقراطية.

اليوم، ينتظر الكل أمام سؤال جوهري ومصيري: إلى أين يتجه مسار التحول الديمقراطي في السودان بعد كل هذا الدمار؟

ولإدراك مآلات الديمقراطية، يجب أولاً فهم حجم الانتكاسة التي سببتها الحرب.

إن التحول الديمقراطي ليس مجرد صناديق اقتراع، بل هو بنية تحتية تشمل السلم الاجتماعي، والمؤسسات المستقلة، والأمن المستدام.

الحرب الحالية قامت بتفكيك هذه الركائز بالكامل، حيث دُمّرت العاصمة الخرطوم، المركز الإداري والسياسي للبلاد، وشُرّد الملايين داخلياً وخارجياً، وتحولت مؤسسات الدولة إلى ثكنات عسكرية.

هذا الوضع خلق واقعاً يهيمن عليه صوت البندقية، وتراجعت فيه الأصوات المدنية المنادية بالحرية والسلام والعدالة إلى الهامش، مما جعل الحديث عن الانتقال المدني في الوقت الراهن يبدو كأنه رفاهية فكرية وسط بحر من المعاناة الإنسانية.

وتتأرجح سيناريوهات المستقبل السياسي للسودان بين مسارات أحلاها مر.

المسار الأول، والمهيمن حالياً، هو العسكرة الكاملة وتوطيد حكم الفرد أو النخبة العسكرية.

في حال حسم أحد الأطراف الصراع عسكرياً بشكل مطلق، فإن سلطة الأمر الواقع الناتجة ستتجه غالباً نحو إقامة نظام شمولي جديد، بذريعة فرض الأمن وإعادة الإعمار.

في هذا السيناريو، ينتج عنه تجميد العمل بالدستور، وحظر الأنشطة الحزبية، وتهميش القوى المدنية تماماً، مما يعني وأد حلم الديمقراطية لسنوات طويلة قادمة.

أما المسار الثاني، فهو السيناريو الأكثر رعباً: التفتت والشتات.

إذا استمرت حالة الاستعصاء العسكري وعجز أي طرف عن حسم المعركة، فقد ينزلق السودان نحو نموذج الدولة الفاشلة، المقسمة إلى إقطاعيات ومناطق نفوذ تسيطر عليها جيوش وحركات مسلحة وميليشيات قبلية.

في بيئة كهذه، يغيب مفهوم الدولة المركزية، وتنتفي السيادة، ويصبح الحديث عن التحول الديمقراطي مستحيلاً في ظل غياب الكيان الوطني الموحد الذي يمكن تطبيق الديمقراطية فيه.

ويبرز مسار يمكن أن يكون فيه الخلاص، وهو التسوية السياسية الشاملة، وهو الأمل الوحيد المتبقي، وإن كان محفوفاً بالتعقيدات.

هذا المسار يشترط وعياً حقيقياً من الأطراف الدولية والإقليمية للضغط لوقف إطلاق النار والجلوس إلى طاولة المفاوضات.

لكن العبرة المستفادة من التجارب السابقة تؤكد أن أي تسوية تعيد إنتاج الشراكة بين العسكريين والمدنيين على الأسس القديمة لن تؤدي إلا إلى انفجار جديد.

التحول الديمقراطي الحقيقي بعد هذه الحرب يتطلب صياغة عقد اجتماعي جديد بالكامل.

يتضمن دمج الجيوش في جيش وطني واحد مهني.

ويتوجب على هذه القوى، بمختلف لافتاتها الحزبية والمهنية، تجاوز الخلافات الأيديولوجية والصراعات الصغيرة، لبناء جبهة مدنية عريضة وموحدة.

هذه الجبهة يجب أن تملك رؤية واضحة ومقنعة لإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة الإعمار، وتستطيع فرض نفسها كشريك أصيل ولاعب لا يمكن تجاوزه في أي مفاوضات مستقبلية ترسم خارطة طريق البلاد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.