وصل الاقتصاد السوداني إلى مرحلة لم يعد معها ممكناً التعامل مع الأزمة باعتبارها ظرفاً مؤقتاً أو نتيجة طبيعية للحرب.
المواطن الذي يخرج كل صباح بحثاً عن لقمة العيش لا تعنيه كثيراً التبريرات السياسية، بقدر ما يعنيه أن يستطيع شراء احتياجات أسرته، وأن يجد الدواء، وأن يتحرك، وأن يحصل على خدمة أساسية دون أن يتحول دخله المحدود إلى فتات أمام موجة الأسعار.
لقد أصبح الغلاء أقوى من قدرة الناس على الاحتمال، وأصبح تراجع قيمة العملة يلتهم الدخول والمدخرات، بينما تتسع الفجوة بين ما يكسبه المواطن وما يحتاجه للعيش.
وفي مثل هذه الظروف يصبح استمرار الإدارة الاقتصادية بالأساليب التقليدية أمراً لا يقل خطورة عن الأزمة نفسها.
الحرب أضعفت الاقتصاد بصورة قاسية، وهذا أمر لا يحتاج إلى جدال.
لكنها في الوقت ذاته لا تعفي من ضرورة وجود سياسة اقتصادية استثنائية تتعامل مع الواقع كما هو.
فالظروف الاستثنائية تحتاج إلى قرارات استثنائية، وإلى عقل سياسي واقتصادي يعرف كيف يحافظ على الحد الأدنى من تماسك المجتمع حتى تنتهي الحرب.
المشكلة أن المواطن لا يرى حتى الآن ملامح مشروع اقتصادي واضح يجيب عن أسئلة المرحلة.
كيف نحمي القوة الشرائية؟
كيف نخفض تكلفة الغذاء؟
كيف نعيد الإنتاج إلى الحقول والمصانع؟
كيف نضبط سوق الصرف؟
كيف نضمن وصول السلع إلى الولايات والمناطق المتضررة؟
وكيف نمنع تحول الأزمة إلى واقع دائم؟
هذه ليست أسئلة فنية مؤجلة إلى ما بعد الحرب، وإنما قضايا سياسية تمس الاستقرار الاجتماعي بصورة مباشرة.
لقد آن الأوان للانتقال من اقتصاد رد الفعل إلى اقتصاد إدارة الأزمة.
وهذا يبدأ بتحديد أولويات واضحة: الغذاء أولاً، والدواء أولاً، والإنتاج أولاً، وتأمين الأسواق أولاً.
وما عدا ذلك يجب أن يخضع لمعيار الضرورة والقدرة على التحمل.
السودان لا يحتاج في هذه المرحلة إلى اقتصاد استهلاكي يعتمد على الاستيراد ويستنزف ما تبقى من النقد الأجنبي.
يحتاج إلى إعادة الاعتبار للإنتاج المحلي، خصوصاً الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية والتحويلية.
فكل جنيه يُستثمر في الإنتاج يخفف الضغط على العملة والأسواق، بينما كل اعتماد إضافي على الخارج يزيد هشاشة الاقتصاد.
كما أن أزمة سعر الصرف أصبحت من أكثر الملفات إلحاحاً.
تعدد الأسعار واتساع الفجوة بين القنوات الرسمية والموازية يخلق بيئة مضطربة، ويزيد تكلفة السلع، ويفتح المجال أمام المضاربة.
ولا يمكن معالجة ذلك بمجرد قرارات إدارية متكررة؛ المطلوب سياسة نقدية متماسكة تستعيد الثقة تدريجياً وتتعامل مع الأسباب الحقيقية للاختلال.
وفي المقابل، لا يجوز أن يتحول المواطن إلى الحلقة الأضعف في سلسلة الأزمة.
الفئات محدودة الدخل تحتاج إلى حماية حقيقية، ليس عبر شعارات الدعم، وإنما من خلال برامج مباشرة وقابلة للقياس تستهدف الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
فالعدالة الاجتماعية في زمن الأزمات ليست ترفاً، وإنما إحدى أدوات الحفاظ على الاستقرار.
لكن هناك قضية أعمق من كل ذلك: مسؤولية النخب.
فالأزمات الاقتصادية لا تصنعها الظروف وحدها؛ كثيراً ما تضخمها طريقة التفكير فيها.
وعندما ينشغل السياسيون بالصراع على المواقع، وتنشغل النخب بتبادل الاتهامات، بينما ينشغل المواطن بكيفية توفير وجبته، تصبح الفجوة بين السياسة والمجتمع خطراً قائماً بذاته.
السياسة التي لا ترى المواطن في السوق، والمزارع في حقله، والعامل في مصنعه، والموظف أمام راتبه، ليست سياسة قادرة على إدارة مرحلة بهذا التعقيد.
السودان يحتاج إلى مراجعة جادة لأولويات الإنفاق والموارد، وإلى شفافية أكبر في إدارة المال العام، وإلى عقلية تعتبر كل مورد متاح فرصة لإنقاذ الاقتصاد لا غنيمة للصراع السياسي.
كما يحتاج إلى إشراك الكفاءات الاقتصادية بعيداً عن الحسابات الضيقة، لأن المرحلة لا تحتمل التجريب ولا المجاملات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتكيف المجتمع مع الأزمة حتى تصبح جزءاً من حياته الطبيعية.
عندما يعتاد الناس الغلاء، وانقطاع الخدمات، وانخفاض الدخول، وشح السيولة، والهجرة من الإنتاج إلى المضاربة، فإن الأزمة تكون قد انتقلت من الاقتصاد إلى بنية المجتمع نفسه.
ولهذا فإن الإنقاذ الاقتصادي لا يحتمل الانتظار إلى نهاية الحرب.
صحيح أن السلام هو الطريق الأكبر للتعافي، لكن حماية ما تبقى من الإنتاج، وتأمين الغذاء، وإعادة تنشيط الأسواق، وإصلاح القطاع المصرفي، وترشيد الإنفاق، ودعم الفئات الأكثر تضرراً، كلها معارك يمكن خوضها الآن.
المواطن السوداني صبر طويلاً، وتحمل الحرب والنزوح والغلاء وفقدان مصادر الدخل.
وما يحتاجه اليوم ليس خطاباً جديداً يطلب منه مزيداً من الصبر، وإنما قراراً سياسياً يرى أن صبر المواطن له حدود، وأن الاقتصاد إذا انهار أكثر فلن تكون هناك قوة سياسية قادرة على ترميم آثار الانهيار بسهولة.
السودان لا تنقصه الموارد، ولا تنقصه العقول، وإنما يحتاج إلى إرادة تضع الموارد في مكانها الصحيح، وتضع الإنسان في مركز القرار.
فالاقتصاد في النهاية ليس أرقاماً في التقارير، ولا مؤشرات في الجداول؛ الاقتصاد هو حياة الناس.
وحين تصبح هذه الحياة جحيماً لا يطاق، فإن استمرار الصمت لم يعد حياداً، وتأجيل الحلول لم يعد خياراً، وإدارة الأزمة بلا رؤية واضحة تصبح في حد ذاتها أزمة جديدة.
المطلوب الآن ليس معجزة اقتصادية، وإنما قرار سياسي شجاع يعيد ترتيب الأولويات: المواطن أولاً، والإنتاج أولاً، والاستقرار أولاً.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.