حين يثورون لمرتب المحافظ الترليوني ويصمتون عن مرتب المعلم المئوي..
بقلم المعلم: التاي عبدالله ود الغرة
نعم، هي كذلك، حين ينتفض الجميع غضباً دفاعاً عن “مرتب محافظ البنك المركزي الترليوني”، ولا يرف لهم جفن وهم يسمعون بـ “مرتب المعلم المئوي”.
هي دولة اختل فيها الميزان، فصار وزن الورقة أثقل من وزن العقل.
محافظ بنك مركزي يُكشف عن مرتبه فيضج القوم ويثوروا، يكتبون المقالات ويخرجون في الفضائيات: “هذا حق الدولة، وهذه تقديراتها، وهذا استحقاق المنصب الرفيع”.
نفس هؤلاء الغاضبون، لم يكتبوا حرفاً واحداً ومرتب المعلم لا يكفيه قوت يومه ولا جرعة ماء، وهو لا يسأل الناس أعطوه أو منعوه.
لم يتحدثوا عندما هاجر أساتذة الجامعات ليدفعوا إيجار البيت وحق تعليم الأبناء.
يقيناً أن غضبتهم ليست على المال العام. غضبتهم على “سيد المال”. دفاع مستميت عن المسؤول الغني، وصمت مريب عن العامل الضعيف، كأنهم يتمثلون قول الشاعر:
يمشي الفقير وكل شيء ضده
والناس تغلق دونه أبوابها
وتراه مكروهاً وليس بمذنبٍ
ويرى العداوة لا يرى أسبابها
حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروةٍ
أصغت إليه وحركت أذنابها
وإذا رأت يوماً فقيراً عابراً
نبحت عليه وكشّرت أنيابها
يا ليت الشيخ فرح ود تكتوك كان حاضراً بينهم، لا ليقول: “كل يا فمي قبال فمي”، لكن ليقول: “عيش يا غني وموت يا فقير، عيش يا حصان وموت يا حمار”.
حين يصبح الترليون لشخص واحد والمائة ألف لمعلم يقوم على أكتافه نصف الوطن، فاعلم أنك في دولة تافهين.
المعلم الذي يربي ويوقع على عقول الناشئة يُعطى <مائة> تذله، والمحافظ الذي يوقع على الشيكات يُعطى “ترليوناً” يمجده.
ثم نستغرب لماذا هربت العقول ولماذا فشل التعليم ولماذا أصبحت الدولة كلها فساد وجنجويد وشفشافة وحروب وكوارث.
حتى يجد الغاضبون مبرراً لتماهيهم ودفاعهم عن من يلغف المال العام لغفاً يقولون: المخصصات والمرتب خضع لتقديرات الدولة.
بالله عليكم أي تقديرات هذه التي لا ترى في عين المعلم إلا رقماً، وترى في عين المحافظ “هيبة دولة”؟
هذه ليست تقديرات دولة. هذه تقديرات طبقة مترفة ومتواطئة على الفساد بعضها من بعض. تقديرات من بيدهم القلم وأنهار المال تجري من تحتهم وخزائنه ومفاتحه بيدهم وهم فوق القانون وفوق الشعب وفوق المنطق.
يقولون: هذه حسادة وربنا فضل بعضكم على بعض في الرزق؟
بالله عليكم، هل منحت المخصصات هذه بتفضيل رباني أم بتفضيل وتفصيل إنساني؟
يا هؤلاء، القضية ليست حسداً على رزق أحد.
القضية أن نكسر صنم “التفاهة” هذا.
القضية أن نضع هيكل أجور موحد، معلن، شفاف، لا فرق بين مرتب في البنك المركزي ومرتب في مدرسة إلا بالدرجة والخبرة والمسؤولية… لا بالمزاج ومجالس الإدارات.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.