تطابق ملامح «الحوار السوداني-السوداني» و«حوار الوثبة» ومآلاتهما الحتمية نحو الصفر السياسي
محمد صالح محمد
تتكرر التجارب السودانية في إدارة الأزمات الوطنية بآلية مستنسخة تعيد إنتاج ذات الأدوات والذهنية السلطوية، وكأن التاريخ السياسي للبلاد محكوم بدوامة أبدية من الدوران في الفراغ. ومن خلال تتبع البنيات الخطابية والآليات الإجرائية لما يسمى بـ«الحوار السوداني-السوداني» المطروح حديثاً، ومقارنته بالمحطة التاريخية الشهيرة المتمثلة في «حوار الوثبة» الذي أطلقه النظام المخلوع عام 2014، تتكشف هندسة سياسية واحدة تقوم على الالتفاف على التناقضات البنيوية العميقة عبر هندسة توافقات شكلية مسبقة الصنع. إن هذا التوحد في الملامح والشبه لا يعكس فقراً في المخيلة السياسية لدى النخب الحاكمة فحسب، بل يؤكد إصراراً بنيوياً على تجاهل قوانين الصراع الموضوعية مما يجعل المحصلة النهائية لهذه المسرحيات السياسية صفراً كبيراً ومضموناً مقدماً من لحظة التدشين الأولى.
أولاً: تطابق الملامح وهندسة الاستبعاد
تقوم هندسة هذه الحوارات على قاعدة مركزية واحدة: احتكار تعريف الأزمة وصياغة مخرجاتها من قِبل فئة مهيمنة تسعى لتوسيع قاعدتها الاجتماعية دون التنازل عن جوهر السلطة أو تفكيك مراكز النفوذ. في «حوار الوثبة»، جرى تفصيل الملعب السياسي ليضم حلفاء النظام والأحزاب الديكورية عبر آلية «لامؤتمر صقر قريش» مع إقصاء القوى الحية والكتل الاجتماعية الحقيقية المعبرة عن هموم الهامش وتطلعات التغيير الجذري. وبذات الكاربون التاريخي، ينبثق «الحوار السوداني-السوداني» الراهن ليعيد تدوير ذات العقلية؛ حيث تُصاغ الدعوات بصورة فضفاضة تغيب عنها المعايير الموضوعية للحياد والشفافية، وتتحول مائدته إلى منصة لإعادة إنتاج الشرعية للمجموعات الموالية لدوائر القرار مستبعدة قوى الثورة الحية والمجتمع المدني المستقل. هذا التشابه البنيوي في الإقصاء يكشف عن رغبة مبطنة في توظيف مفهوم «الحوار» كأداة تكتيكية لامتصاص الغضب الجماهيري وتبييض وجه السلطة القائمة، لا كاستراتيجية وطنية استراتيجية لتأسيس عقد اجتماعي جديد.
ثثانياً: الآليات الإجرائية وغياب الإرادة الوطنية
علمياً يفتقر أي حوار سياسي ذي جدوى إلى مقومات النجاح إذا انعدمت شروط تكافؤ الفرص وحياد البيئة الحاضنة. لقد سقط حوار الوثبة سقوطاً مدثراً لأنه وُلد في كنف السلطة التنفيذية وتحت هيمنة الأجهزة الأمنية، وهي ذات العلة التي تضرب في صميم الحوارات الحالية. حين تُدار عمليات الحوار بروح الهيمنة، وتتحول المنصات إلى غرف لإدارة التسويات بعيداً عن الرقابة الشعبية والشفافية، فإنها تتحول بالضرورة إلى صيغ تعاقدية هشة بين نخب تتصارع على الغنائم ولا تكترث بآلام الملايين من ضحايا الحرب والتشرد والفقر. إن غياب آليات العدالة الانتقالية الحقيقية، وإصرار الأطراف المهيمنة على حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية المكتسبة، يعطل أي إمكانية للوصول إلى تسوية مستدامة.
ثثالثاً: المحصلة الصفرية.. قراءة في حتمية الفشل
إن المدخلات المشوهة لا تنتج سوى مخرجات عبثية. فحين يتم تجاهل الأسباب الجذرية للأزمة السودانية والمتمثلة في أزمة الهوية، واختلال توزيع الثروة والسلطة، وغياب دولة القانون، واستبداد المركز ويجري الاستعاضة عنها بحصص ووزارات ومناصب شكلية، فإن النتيجة الحتمية هي العودة إلى نقطة الصفر أو الأسوأ: الانزلاق نحو مزيد من التشظي والتآكل المؤسسي. إن الصفر الكبير الذي ستؤول إليه هذه الحوارات ليس نبوءة تشاؤمية، بل هو قانون سياسي صارم؛ فالتسويات التي تتجاهل القوى الاجتماعية الحقيقية وتُصمم خصيصاً لإعادة تدوير الشخصيات المأزومة محكومة بالانهيار عند أول اختبار جدي للاستقرار.
يتضح جلياً أن تكرار محاولات إنتاج الشرعية عبر آليات مستنسخة كحوار الوثبة لن يغير من الطبيعة العبثية للمشهد شيئاً. إن الخروج الفعلي من مستنقع الأزمات لا يمكن أن يتم عبر تسقط حطام التسويات ، بل يتطلب قطيعة جذرية مع ذهنية هندسة الأزمات، والاعتراف بأن السلام والاستقرار لا يُصنعان في الغرف المغلقة، بل في ميدان العدالة الشاملة والمشاركة الشعبية المتساوية التي تعيد بناء الدولة على أسس وطنية حقيقية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.