يا جماعة الخير، خلونا نتفق أولاً على حاجة بسيطة قبل أن نبدأ «السلخ السياسي»!
أنا مع الحوار.
نعم، مع الحوار، وضد الحرب، وضد أن يظل السودانيون يأكلون بعضهم بعضاً، بينما يتفرج عليهم أصحاب المصالح من وراء الستار.
لكنني، في الوقت نفسه، ضد حوار الطرشان.
وحوار الطرشان هو ذلك الحوار الذي يتكلم فيه الجميع، ولا يسمع فيه أحد، ثم يخرج منه الذي دعا إليه ليقول لنا: «الحمد لله، الشعب فوضني»!
يا سلام!
وهذه، هي أجمل نكتة سياسية يمكن أن تنتجها الحرب السودانية!
البرهان يريد حواراً لأسباب معلومة.
لكن السؤال الذي يبدو أن الرجل لم يسأله لنفسه هو: ماذا لو تكلم السودانيون فعلاً؟!
وهنا تبدأ المصيبة.
يبدو أن البرهان تصور أن الحوار يمكن أن يكون مثل مؤتمر صحفي عسكري: هو يتكلم، والآخرون يستمعون ويصفقون.
هو يحدد الأجندة، والآخرون يوقعون.
هو يقول «مصلحة السودان»، فيقول الجميع: «آمين».
ثم ينتهي الحفل، وتُوزع الابتسامات، ويخرج البرهان بتفويض تاريخي جديد، ويعود السودان إلى النوم!
لكن يا سيادة الفريق… الحوار ليس نشرة أخبار.
والسودانيون ليسوا جمهوراً في استاد.
واللجنة التي قالت إنها جاءت «للتهيئة والتيسير والتشاور» ارتكبت، من حيث لا تدري، جريمة سياسية خطيرة جداً!
لقد قالت إنها تريد أن تسمع!
يا للهول!
تريد أن تسمع القوى السياسية.
وتريد أن تسمع المدنيين.
وتريد أن تسمع المجتمع.
وتريد أن تسمع الداخل والخارج.
وتريد أن تبحث شروط الحوار وضماناته.
وهنا أسأل: ماذا سيحدث إذا سمعوا؟!
ماذا سيحدث إذا تكلم الناس بلا خوف؟
ماذا سيحدث إذا قال أحدهم إن الحرب كارثة؟
وإذا قال آخر إن الإسلاميين عادوا من النافذة؟
وإذا قال ثالث إن الجيش مؤسسة وطنية، لكن لا يجوز أن يتحول إلى حزب سياسي مسلح؟
وإذا قال رابع: لا نريد حكماً عسكرياً؟
وإذا قال خامس: نريد ديمقراطية؟
وإذا قال سادس: نريد محاسبة كل من ارتكب جرائم؟
وإذا قال سابع: من فوض البرهان ليحكم السودان؟
هنا تبدأ «الحتة الحارة»!
يا برهان… أنت الذي طلبت الميكروفون!
والبيان المنشور أمامنا أكثر خطورة مما يبدو.
فهو يتحدث عن: الحريات.
والضمانات.
وعدم ملاحقة المشاركين.
وعدم تحريك الإجراءات الجنائية بسبب الآراء.
وعدم استخدام سلطة الدولة للتأثير على مخرجات الحوار.
هذه، إذا طُبقت، تعني شيئاً بسيطاً جداً: أن الناس سيبدأون الكلام.
والكلام في السودان هذه الأيام ليس مثل الكلام في زمن الرخاء.
والكلام بجيب كلام!
وهذه هي النقطة التي قد تجعل البرهان يندم على أنه اكتشف فجأة فضيلة الحوار!
اسمحوا لي أن أضحك قليلاً.
الشعب السوداني ليس غائباً عن المسرح.
والشعب الذي عاش هذه الحرب، ودفع ثمنها من دمه ورزقه وأمنه، لن يقتنع بأن خمسة أو عشرة أو خمسين شخصاً جلسوا في قاعة مكيفة ثم خرجوا بعبارة «الإجماع الوطني».
يا أخوانا… الإجماع الوطني لا يُطبخ في قاعة!
والتفويض لا يُستخرج من محضر اجتماع!
والشرعية لا تُمنح بختم أحمر!
والسودان ليس «شركة البرهان وأولاده وشركائه»!
والمضحك أن اللجنة قد تكون أخطر على البرهان من خصومه!
وهنا بيت القصيد.
أنا لا أرى الخطر الحقيقي على البرهان في أن يفشل الحوار.
بل أراه في أن ينجح الحوار في شيء لم يكن البرهان يريد نجاحه فيه: أن يجعل الناس تتكلم.
واللجنة، لكي تثبت أنها مستقلة، سترضخ إلى الاستماع.
ولكي تثبت أنها صادقة، ستسجيل المخاوف.
ولكي تثبت أنها وطنية، ستتعامل، مرغمة، مع الأسئلة الصعبة.
ولكي تخدعنا بأنها ليست مجرد ديكور سياسي، سوف تضطر لتقول للبرهان: «يا جماعة، الناس قالت كذا.»
وهنا سيكتشف البرهان أن الذين جاءوا ليهيئوا للحوار صاروا موظفي كشف حساب!
يا سلام!
من حيث لا يرغبون، سوف يجعلون البرهان وجماعته «عراة كما خلقهم الله»!
وأن أكثر ما سيؤذي جماعة البرهان هو أنهم سيحاولون إثبات وطنيتهم.
وسيقولون: نحن وطنيون.
نحن مع الشعب.
نحن ضد الحرب.
نحن مع الدولة.
نحن مع الديمقراطية.
نحن مع العدالة.
لكن كل شعار من هذه الشعارات يجر وراءه سؤالاً.
إذا كنتم مع الشعب، فلماذا لا تسمعون الشعب؟
وإذا كنتم مع الدولة، فأي دولة تريدون؟
وإذا كنتم مع الديمقراطية، فمتى تعودون إليها؟
وإذا كنتم مع العدالة، هل تشمل العدالة الجميع؟
وإذا كنتم ضد الحرب، فلماذا استمرت؟
وإذا كنتم مع السلام، فما الذي يمنع السلام؟
وهكذا يتحول الشعار إلى سؤال.
والسؤال إلى سؤال آخر.
وفجأة… تجد الجماعة نفسها عارية أمام الناس، كما خلقها الله!
ولا يحتاج احد إلى أن يعريها.
ولا تحتاج الصحافة إلى أن تفضحها.
ولا نحتاج إلى من يختراع الأكاذيب.
يكفي أن تُترك الأسئلة تسير في الشارع.
وهنا تبين الخطأ الأكبر في حسابات البرهان وهو اعتقاده أن الحوار يمكن أن يمنحه التفويض الذي يبحث عنه.
فيا أخي، التفويض ليس «هدية تذكارية» بعد المؤتمر!
التفويض الديمقراطي له طريق معروف: شعب حر، انتخابات حرة، إرادة حرة.
أما أن تدعو الناس إلى حوار، ثم تقول لهم في النهاية: «شكراً لحضوركم، وبالمناسبة، فوضتموني!» هذه اسمها في السودان: «جابوا ليك العرس وقالوا ليك العريس!»
فالمشكلة ليست أن الحوار سيفشل… المشكلة أنه قد ينجح!
أكررها: أنا أخشى على البرهان من نجاح الحوار أكثر من فشله.
فالفشل يمكن إعلانه بسهولة.
يقولون: «لم نتفق.»
وتنتهي الحكاية.
لكن ماذا لو لم يتفقوا، وخرجوا في الوقت نفسه بمئات الأسئلة؟
ماذا لو اتضح أن السودانيين مختلفون حول كل شيء تقريباً، لكنهم متفقون على شيء واحد، هو أنهم لا يريدون أن يحكمهم البرهان باسمهم دون تفويض منهم؟
وماذا لو ظهرت أصوات تطالب بدولة مدنية ديمقراطية؟
وماذا لو ظهرت أصوات تطالب بمحاسبة كل الأطراف؟
وماذا لو طالب الناس بإبعاد الجيش عن السياسة؟
وماذا لو طالبوا بإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية؟
وماذا لو سقطت كل الأقنعة التي ظلت الحرب توفرها للجميع؟
هنا لن تكون المشكلة في مخرجات الحوار.
ستكون المشكلة في الهواء الذي دخل من الشباك!
وأتوقع أن جماعة البرهان، بعد انتهاء هذا الحوار، ستكتشف أنها أمام خرق سياسي لا يشبه الخروق الصغيرة التي تُرقع بخيط وإبرة.
سيحاولون ردم الهوة.
وسيحاولون تفسير الكلام.
وإعادة تعريف الحوار.
وسيحاولون القول إن ما قيل لا يمثل أحداً.
وقول إن اللجنة مستقلة.
وإن المشاركين أفراد.
وإن الآراء شخصية.
وإن المخرجات غير ملزمة.
وإن الكلام لا يعني شيئاً.
لكن يا جماعة… الكلام إذا خرج من القاعة دخل الشارع.
والشارع السوداني لا يحتاج إلى تصريح مرور.
وقد يجد البرهان نفسه أمام سفينة سياسية تتسرب منها المياه من أكثر من مكان.
يا أخي! دي ما موية!
دي حفرة في قاع السفينة!
وهنا تصدق حكمة أهلنا: «شملة بت كنيز؛ هي ثلاثية وقدّها رباعي!»
وفي النهاية… هل استدرج ابن الحلمان؟!
والاجابة تستحق أن تُكتب بحروف كبيرة: البرهان أستدرج إلى حوار يريد به أن ينتزع التفويض، لكن السودانيين يستدرسون البرهان إلى حوار يجعل جماعته تقول ما كانت تحاول إخفاءه.
وأنا أراهن على ذلك.
فالبرهان قد يكون تصور أنه يمسك بخيط الحوار.
لكنه لا يعرف أن الحوار، إذا خرج من يده، يمكن أن يتحول إلى كرة ثلج.
والكرة إذا تدحرجت من قمة الجبل، لا تسأل صاحب الجبل عن الاتجاه.
لذلك… تجدونني مع الحوار!
لكن ليس الحوار الذي يريد أن يجعل الشعب «شاهد زور» على قرار جاهز بتنصيب البرخان.
ولا الحوار الذي يطلب من الناس أن يباركوا ذلك.
نحن مع الحوار الذي يستطيع فيه السوداني أن يقول: لا.
ويستطيع أن يقول: أنت مخطئ.
ويقول: نريد دولة مدنية.
ويقول: نريد جيشاً مهنياً.
ويقول: نريد محاسبة.
ويقول: لا للحرب.
ويقول: لا لحكم العسكر.
ويقول: لا لحكم الكيزان.
ويقول: لا لحكم أي جماعة تتحدث باسم الشعب دون أن يستأذنها الشعب!
الحوار الذي يترك الناس تتكلم.
وليس الحوار الذي يسمع فيه البرهان ما يريد “نفيسته” ثم يسألها: «هل فوضني الشعب؟»
لكن عليه أن يتأكد أن الاجابة لن تكون بنظام «المؤتمر الوطني» لان الاجابة قد تقول له الحقيقة.
والحقيقة في السودان، منذ اندلاع هذه الحرب، أصبحت أخطر من الرصاص.
فالمدفع قد يهدم بيتاً.
أما الكلمة الحرة… فتهدم وهماً كاملاً عن السلطة وحلما برهانيا.
وهذا هو الخطر الحقيقي الذي لم يحسب البرهان حسابه: لقد دعا السودانيين إلى الحوار… ولم تحسب يا برهان، أن يخرج السودانيون بعد الحوار وقد اكتشفوا أنهم لا يحتاجون إليك أصلاً!
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.