ورقة مهملة

صباح محمد الحسن

بيان الاتحاد الأفريقي يباعده عن المجتمع الدولي، ويعمل على إبراز الفجوة بينه وبين القوى المدنية الفاعلة، لأنه يعيد إنتاج خطابٍ تجاوزه العالم، ويُظهر الاتحاد كجهةٍ تحاول التحايل سياسيًا دون تأثير .

كيف أول:
كلُّ منفى يعلّمنا شيئًا عظيماً،
لكن الوطن وحدهُ يعلّمنا من نكون.

وكان يمكن للاتحاد الأفريقي أن يتجنب الاتهامات لو لم يصدر بيانه أمس، لكنه اختار أن يعيد تثبيت دوره الذي يحاول من خلاله دفع البرهان إلى الواجهة السياسية. فالبيان الذي أصدره جاء في توقيتٍ يعزّز هذا الاتهام، حيث رحبت رئاسة مفوضية الاتحاد الأفريقي بانعقاد مبادرة لتهيئة الحوار السوداني–السوداني داخل السودان، تحت إشراف لجنة مستقلة من حكماء أبناء السودان ، مؤكدةً أن نجاح العملية السياسية يتطلب أن تشمل المشاورات جميع الأطراف المدنية والسياسية والمجتمعية السودانية، استناداً إلى مبدأ الشمولية والملكية والقيادة السودانية الخالصة.
وهنا يدعم الاتحاد الأفريقي الحوار بترحيبٍ حذر، ويقول إن الحوار يتطلب أن يشمل جميع الأطراف السياسية، فبالرغم من أن البيان كشف موقف الاتحاد الداعم لمشروع البرهان بوضوح، إلا أنه حاول أن يتحايل سياسيًا لكي لا يصطدم بالرغبة الدولية الرافضة للحوار، وهذا وحده يكشف أن الاتحاد يدعم موقفًا غير مقتنع به.
فهو لا يستطيع معارضة الرغبة الدولية مباشرة فالموقف الدولي كان واضحًا: لا حوار بلا وقف إطلاق النار، ولا حوار تحت القصف، ولا حوار يُستخدم لتثبيت سلطة الأمر الواقع. والاتحاد يعرف هذا جيدًا ويدركه، فأي دعم مباشر يضعه في مواجهة مع المجتمع الدولي
كما يعلم أيضًا أن القوى المدنية الفاعلة قاطعت الحوار، فكيف يرى أنه لابد أن تشملها الدعوة؟!
ومقاطعة القوى المدنية تفرغ الحوار من معناه ومحتواه الحقيقي، وتجعل البيان مجرد “حضور سياسي”. ل
كن يبدو أن الاتحاد يخشى أن يُنظر إليه كجهةٍ غائبة؛ فالقوى المدنية تشك في مواقفه، والمجتمع الدولي يقلل من دوره، لذلك يحاول بهذه البيانات الخجولة أن يثبت حضوره فقط. فهو، بالرغم من ترحيبه بالحوار، لم يتخذ موقفًا شجاعًا لدعم البرهان، وحاول أن يرضيه فقط.
والبيان الذي كُتب بحبر المجاملة كان يمكن أن يشتمل على موقفٍ قوي يستند عليه البرهان في حواره، لكنه لم يقدم دعماً للسلطة الحاكمة، ولم يمنح البرهان شرعية، ولم يصفه بأنه قائد المرحلة، ولم يعترف بسلطة بورتسودان كحكومة، وشدّد على شمولية الحوار للقوى المدنية، وربط العملية بخارطة الطريق الأفريقية وليس بمبادرة البرهان. وبهذا يكون قد اختار المنطقة الآمنة، وهذا يؤكد أن الاتحاد يعلم أن الحوار يواجه عقبات واضحة، ولا يريد أن يتحمل هذا الفشل، وفي ذات الوقت يقدم دعماً هزيلاً يحافظ به على التزامه مع البرهان.
فالمجتمع الدولي تجاوز الاتحاد الأفريقي ليقينه بأنه أصبح غير قادر على إدارة الملف السوداني، لأنه كان يظهر دائمًا مترددًا في تسمية المسؤوليات أو الضغط على الأطراف، وأصبح يعتمد على قوى إقليمية أكثر نفوذًا وفاعلية من دوره التقليدي. فهو يتعامل مباشرة مع إثيوبيا كمنصة سياسية، ومع الإمارات ومصر كقوى مؤثرة على الأرض، ومع واشنطن كقائد للمسار السياسي. وهذا يعني أن الاتحاد أصبح خارج دائرة الفعل الحقيقي.
وما يؤكد الآن أنه يتحرك خارج هندسة التوافق العام، تجد أن المجتمع الدولي لا يتحدث عن “حوار سوداني–سوداني” ولا عن “لجنة حكماء”، بل يتحدث عن وقف إطلاق النار أولًا، وعن ترتيبات أمنية، وممرات إنسانية. وهذا ما لم يتحدث عنه بيان الاتحاد الأفريقي، مما يعني أنه يقرأ من ورقة مهملة، وهذا يجعله غير مؤثر على المسرح الدولي والإقليمي للحل، وهذا يجعل دعمه للبرهان لا يتجاوز الربت على الكتف الذي لا يعوّض الفقد.
لذلك، فالبيان يباعد الاتحاد الأفريقي عن المجتمع الدولي، لأنه يعيد إنتاج خطابٍ تجاوزه العالم، ويُظهر الاتحاد كجهةٍ تحاول التحايل سياسيًا دون قدرة على التأثير، مع فقدانه القدرة على الضغط.
وتصدت القوى المدنية لبيان الاتحاد، وقالت صمود إنها ظلّت تحذر من وجود مخططات من قبل جهات تسعى لتوظيف كلمة “الحوار” لشرعنة واقع الحرب لا لإنهائها. وها هو هذا الموقف الصادر من مفوضية الاتحاد الأفريقي يؤكد صحة هذه القراءة، كما يضع مصداقية وحيادية الجهة التي أصدرته على المحك. لذا فإننا نؤكد بوضوح بأننا سنتصدى بكل قوة لمثل هذه التوجهات، ولن نسمح بالتلاعب بوحدة بلادنا، ولا بإطالة أمد معاناة شعبنا، فالأولوية الآن هي وقف الحرب وابتدار عملية سلام جادة.
وأكدت قوى إعلان المبادئ أن بيان المفوضية يوفر غطاءً لتقسيم السودان، وعبرت عن رفضها التام لمضمون بيان المفوضية ونهجه، وحذرت من مغبة المضي في هذا الاتجاه، وقالت إن ترحيب المفوضية بهذا “الحوار التضليلي” دون “تمحيص لأهدافه الحربية” يمثّل تبنياً غير مسؤول لتوجهات أحد طرفي الحرب.
ومن خلال البيانين، ترى القوى المدنية أن الاتحاد الأفريقي لم يلتقط جوهر اللحظة السياسية، وأن بيانه يفتح الباب لتأويلات خطرة، وهو ما يعمل على إبراز الفجوة بين القوى المدنية والاتحاد، خصوصًا في فهم معنى “الحوار” في ظل الحرب.
طيف أخير:
#لا_للحرب
اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد برئاسة رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس تبحث “تآكل سعر صرف العملة الوطنية” وإيجاد حلول عاجلة، مع التركيز على زيادة الإنتاج.
انظر لاعتراف الحكومة بفشلها وانهيار اقتصادها؛ لم تقل لك اللجنة إنها تبحث مشاكل سعر الصرف، قالت لك: “تآكل”.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.