بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في السودان لم تعد المفاوضات مجرد محاولات متقطعة لجمع قائدي القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع حول طاولة واحدة.
فالحرب التي اندلعت في 15 أبريل/نيسان 2023 على خلفية الخلاف حول الانتقال السياسي وإصلاح القطاع الأمني ودمج قوات الدعم السريع في الجيش تحولت إلى صراع متعدد المستويات عسكري وسياسي ومجتمعي وإقليمي يتجاوز مسألة السيطرة على المدن والمواقع العسكرية إلى سؤال أكبر يتعلق بشرعية الدولة ومستقبلها.
وفي الوقت نفسه تعددت المبادرات والوسطاء وتداخلت الأدوار الإقليمية والدولية، بينما أخذت تتشكل داخل السودان مراكز سياسية وعسكرية متنافسة.
لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في صيف 2026 ليس: هل توجد مفاوضات؟
المفاوضات موجودة، والوسطاء موجودون والاتصالات لم تتوقف.
السؤال الأصعب هو: هل تغيرت حسابات أطراف الحرب بما يكفي لجعل التسوية السياسية أكثر جاذبية من مواصلة القتال؟
حتى الآن لا تبدو الإجابة حاسمة.
فالمسار التفاوضي يتحرك على مستويات عدة: اتصالات مباشرة وغير مباشرة بين طرفي الحرب ومساعٍ أميركية للدفع نحو هدنة إنسانية وجهود للاتحاد الأفريقي وإيغاد والأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي لتنسيق الوساطة إلى جانب مشاورات مع القوى السياسية والمدنية السودانية بشأن شكل العملية السياسية المقبلة.
لكن في المقابل، لا تزال المعارك مستمرة ولا تزال الأطراف تتعامل مع الميدان باعتباره وسيلة لتحسين شروطها على طاولة التفاوض.
وهنا تكمن العقدة الأساسية في الأزمة السودانية.
من جدة إلى اليوم: لماذا لم تتحول الهدن إلى سلام؟
كانت محادثات جدة، برعاية المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة أول محاولة رئيسية لإدارة الحرب عبر تفاوض مباشر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
وفي مايو/أيار 2023، وقّع الطرفان «إعلان الالتزام بحماية المدنيين» ثم توالت التفاهمات المتعلقة بوقف إطلاق النار والترتيبات الإنسانية وحماية المنشآت المدنية وتسهيل وصول المساعدات.
لكن تلك التفاهمات لم تتحول إلى وقف مستدام للقتال.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه عاد مسار جدة إلى التركيز على إجراءات بناء الثقة والمساعدات الإنسانية ووقف إطلاق النار من دون أن يتمكن من الانتقال إلى تسوية سياسية شاملة.
وكانت المشكلة واضحة منذ البداية: الهدنة لم تكن تملك آلية تنفيذ قوية بما يكفي لتغيير سلوك طرفين لا يثقان ببعضهما ولا يزال كل منهما يعتقد أن ميزان القوة يمكن أن يتغير لصالحه عسكريًا.
وهكذا تحولت الهدن إلى فترات مؤقتة بين جولات القتال بدل أن تكون جسورًا نحو اتفاق دائم.
جنيف: عندما اصطدمت الدبلوماسية بعقدة الانسحاب
في يوليو/تموز 2024 حاول المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان آنذاك، رمطان لعمامرة، فتح مسار غير مباشر في جنيف ركز على حماية المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية.
لكن المسار اصطدم منذ بدايته بمشكلة المشاركة إذ شارك وفد الدعم السريع، بينما لم ينضم وفد الجيش إلى الاجتماعات المباشرة، واستمرت الاتصالات في صيغة محادثات منفصلة.
وكشف ذلك مرة أخرى جوهر الأزمة.
كل طرف يريد أن يبدأ التفاوض من النقطة التي تخدم روايته السياسية والعسكرية.
فالجيش ظل يطالب بمعالجة انتشار قوات الدعم السريع ومواقعها العسكرية قبل الانتقال إلى ترتيبات أوسع بينما رأى الدعم السريع أن وقف القتال يمكن أن يكون مدخلًا للتفاوض على الترتيبات السياسية والأمنية.
وبذلك بقي السؤال نفسه بلا إجابة:
هل يكون الانسحاب العسكري شرطًا لوقف الحرب أم نتيجة لاتفاق وقف إطلاق النار؟
هذا الخلاف في ترتيب الخطوات ظل واحدًا من أكثر العوائق استعصاءً في مسار السلام السوداني.
2026: من البحث عن هدنة إلى إعادة بناء العملية السياسية
مع دخول الحرب عامها الرابع بدأ الخطاب الدولي يتغير نسبيًا.
لم يعد التركيز منصبًا فقط على إنتاج هدنة جديدة بين الجيش والدعم السريع بل برزت محاولة لبناء عملية سياسية أوسع، تشارك فيها القوى المدنية والسياسية والمجتمعية إلى جانب الأطراف المسلحة.
وفي الوقت نفسه تحركت الآليات الدولية والإقليمية نحو قدر أكبر من التنسيق، في محاولة لتقليل ازدواجية المبادرات وتضارب الأجندات.
وتبرز هنا أهمية ما يسمى «الخماسية» الخاصة بالسودان، التي تضم الاتحاد الأفريقي وإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة إلى جانب «الرباعية» التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات.
وفي 24 أغسطس/آب، أكدت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو أن أطراف النزاع لا تزال عالقة في «منطق عسكري صفري» داعية إلى تحرك دولي موحد لإعادتها إلى مفاوضات ذات معنى ومشيرة إلى جهود الرباعية والخماسية لدفع هدنة إنسانية ومسار سياسي سوداني شامل.
المغزى هنا يتجاوز الدعوة التقليدية إلى وقف إطلاق النار.
فالمجتمع الدولي بدأ يتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة دولة وليس مجرد نزاع بين تشكيلين عسكريين.
الخماسية ومحاولة إنهاء فوضى الوسطاء
ربما يكون أحد أهم التطورات في المسار السياسي هو محاولة تنسيق المبادرات الدولية والإقليمية بدل استمرارها كمسارات منفصلة.
فالسودان شهد خلال سنوات الحرب مبادرات متعددة بعضها متوازٍ وبعضها متنافس وهو ما جعل تعدد الوسطاء في بعض المراحل جزءًا من المشكلة بدل أن يكون جزءًا من الحل.
ولهذا تبرز أهمية التنسيق بين الاتحاد الأفريقي وإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، إلى جانب الرباعية التي تعمل على دفع مسار الهدنة الإنسانية.
وفي هذا السياق لا يحتاج السودان بالضرورة إلى مبادرة سلام جديدة بقدر حاجته إلى تنسيق المبادرات القائمة وتحديد الأدوار وربط الضغط السياسي بالدعم الإنساني والآليات الأمنية.
فالوساطة الناجحة ليست كثرة الوسطاء وإنما قدرة هؤلاء الوسطاء على إنتاج موقف واحد تجاه طرفي الحرب.
من المشاورات إلى البحث عن طاولة سودانية
إلى جانب المسار الدولي برز خلال الأشهر الأخيرة مسار سوداني داخلي أكثر وضوحًا، لكنه سرعان ما اصطدم بالسؤال الأصعب: من يملك حق تحديد شكل الحوار ومن يشارك فيه؟
ففي أغسطس/آب أجرى الفريق أول عبد الفتاح البرهان مشاورات مع قوى سياسية ومدنية وشخصيات سودانية بشأن التمهيد لحوار سوداني شامل، وتداولت المقترحات المتعلقة بتشكيل لجنة تحضيرية واتخاذ إجراءات قانونية يمكن أن تهيئ مشاركة قوى معارضة في العملية.
من حيث المبدأ يمثل الحوار السوداني الداخلي عنصرًا لا غنى عنه في أي تسوية.
لكن المشكلة تكمن في منهجية الحوار وضمان استقلاله وشموله.
فأي عملية سياسية ينظر إليها باعتبارها امتدادًا لأحد طرفي الحرب ستجد صعوبة في اكتساب الشرعية اللازمة.
وهنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها:
من يختار اللجنة التحضيرية؟
من يضمن تمثيل القوى المدنية غير المنحازة؟
هل تشارك النساء والشباب والمجتمع المدني؟
هل تشارك الحركات المسلحة؟
هل تستطيع القوى المعارضة للجيش المشاركة من دون ضغوط؟
وهل تكون نتائج الحوار ملزمة سياسيًا للأطراف؟
إذا لم تكن الإجابة واضحة فقد يتحول شعار «الحوار السوداني السوداني» إلى مسار جديد من مسارات الاستقطاب بدل أن يكون مدخلًا للخروج منه.
القوى المدنية ترفض مسار البرهان
وقد ظهر هذا الخلاف بوضوح في اجتماعات أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس/آب.
فقد أعلنت مجموعة واسعة من القوى السياسية والمدنية التي تصف نفسها بأنها مناهضة للحرب وغير منحازة إلى أي من طرفيها رفضها للمبادرة التي طرحها البرهان للحوار السوداني وقالت إنها لن تشارك فيها ولن تعترف بمخرجاتها.
وضمت المشاورات قوى مرتبطة بـ«إعلان المبادئ السوداني» وحزب المؤتمر الشعبي وحزب الأمة ومنظمات مجتمع مدني وشبكات نسوية وشبابية وشخصيات مستقلة وأكاديميين. وطرحت هذه القوى تصورًا بديلًا يقوم على مسارات إنسانية وأمنية وسياسية متوازية.
وهذا التطور يكشف عمق الانقسام داخل المعسكر المدني نفسه.
فالمشكلة ليست فقط أن الجيش والدعم السريع منقسمان.
بل إن القوى المدنية التي يُفترض أن تؤدي دورًا محوريًا في مرحلة ما بعد الحرب لا تزال مختلفة حول قضايا أساسية: شكل المرحلة الانتقالية العلاقة بين المدنيين والعسكريين مستقبل القوات المسلحة الموقف من الدعم السريع العدالة الانتقالية مشاركة الإسلاميين مستقبل الحركات المسلحة وشروط الانتخابات.
وبالتالي فإن بناء كتلة مدنية ذات رؤية مشتركة لا يزال واحدًا من أصعب ملفات التسوية.
الدعم السريع ومشروع السلطة الموازية
في الجانب الآخر لم ينتظر الدعم السريع انتهاء الحرب قبل محاولة بناء إطار سياسي للمناطق التي يسيطر عليها.
فخلال 2025 تحرك الدعم السريع وحلفاؤه باتجاه إنشاء سلطة موازية في خطوة حملت الصراع من مستوى التنافس العسكري إلى مستوى التنافس على شرعية الدولة ومؤسساتها.
وهنا تكمن الخطورة الأكبر.
فإذا استمر وجود مؤسسات وهياكل متنافسة فإن السودان قد يجد نفسه أمام مركزين للسلطة، ومؤسسات متوازية وموارد منفصلة، وشبكات أمنية وعسكرية متنافسة.
وعندها تصبح مهمة إعادة توحيد الدولة أكثر صعوبة كلما طال أمد الحرب.
لذلك فإن رفض المجتمع الدولي للهياكل الحكومية الموازية ليس مجرد موقف دبلوماسي بل يرتبط مباشرة بمسألة الحفاظ على وحدة الدولة السودانية.
عبد العزيز الحلو والحركات المسلحة: الحلقة التي لا يمكن تجاوزها
لا يمكن بناء تسوية سودانية شاملة من خلال تجاهل الحركات المسلحة.
فالحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو تملك أجندة سياسية وعسكرية خاصة تتصل بشكل الدولة والعلاقة بين المركز والأقاليم وقضايا الحقوق وترتيبات الأمن.
كما أن الحركات الدارفورية ليست كتلة واحدة فقد دخل بعضها في تحالفات مع أحد طرفي الحرب بينما حافظ بعضها الآخر على مواقف أكثر استقلالًا.
وهذا يضع أي اتفاق ثنائي محتمل بين الجيش والدعم السريع أمام سؤال جوهري:
ماذا لو وقع الطرفان اتفاقًا بينما بقيت قوى مسلحة أخرى خارج التسوية؟
عندها لن يكون السودان قد أنهى الحرب بل ربما يكون قد أعاد توزيعها.
والتطورات الأخيرة في كردفان تؤكد خطورة تجاهل هذا البعد فقد اتسعت رقعة القتال وارتبطت بها موجات نزوح جديدة بينما تورطت قوى مسلحة أخرى في المشهد العسكري والسياسي. وفي 25 أغسطس/آب أُبلغ عن مقتل مدنيين في اشتباكات بجنوب كردفان نُسبت إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، في سياق الصراع الأوسع.
واشنطن: من الوساطة إلى الضغط
في يوليو/تموز 2026، طرحت الولايات المتحدة تصورًا لوقف إنساني لمدة 90 يومًا يعقبه التفاوض على وقف دائم لإطلاق النار، ثم الانتقال إلى عملية سياسية تقود إلى حكم مدني وانتخابات.
لكن الجيش السوداني اشترط انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي تسيطر عليها منذ مايو/أيار 2023 بينما أعلنت قوات الدعم السريع ترحيبها بالمقترح الأميركي في وقت استمرت فيه العمليات العسكرية.
وهنا تعود العقدة القديمة نفسها:
من ينسحب أولًا؟
الجيش يرى أن بقاء الدعم السريع داخل المدن يمثل تهديدًا عسكريًا وسياسيًا مستمرًا.
والدعم السريع يرى أن الانسحاب الشامل قبل التوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية ملزمة قد يعني التخلي عن أهم أوراق قوته.
ولهذا أصبحت قضية الانسحاب اختبارًا حقيقيًا لجدية الطرفين.
لكن واشنطن لا تتحرك بالوساطة وحدها.
ففي يونيو/حزيران، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بشبكات شراء وتجنيد تموّل الحرب، في محاولة لاستهداف البنية التي تسمح للطرفين بمواصلة القتال.
وفي 24 أغسطس/آب، دفعت الولايات المتحدة في مجلس الأمن باتجاه تشديد العقوبات وتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل السودان بصورة أوسع بما في ذلك الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها في محاولة لرفع تكلفة استمرار الحرب.
وهنا قد نشهد تحولًا مهمًا في طبيعة الدبلوماسية.
فبدل الاكتفاء بإقناع الأطراف بالتفاوض يحاول الوسطاء رفع تكلفة رفض التفاوض.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرتبطًا بسؤال أصعب: هل يستطيع المجتمع الدولي فعلًا وقف تدفق السلاح والمال إلى أطراف النزاع؟
من الهدنة إلى وقف إطلاق النار… ثم إلى الدولة
الفرق بين المقترحات الحالية ومسارات 2023 هو أن الوسطاء باتوا أكثر إدراكًا بأن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي.
فالاتفاق الذي ينجح في إيقاف القتال ليوم أو أسبوع لا يجيب عن السؤال الأكبر:
ماذا يحدث في اليوم التالي؟
من يسيطر على المدن؟
من يدير الشرطة؟
ما مصير قوات الدعم السريع؟
كيف يعاد بناء الجيش؟
من يتولى السلطة الانتقالية؟
كيف تتم محاسبة مرتكبي الانتهاكات؟
كيف يعود ملايين النازحين؟
كيف تمنع إعادة تسليح الأطراف؟
هذه ليست تفاصيل يمكن تأجيلها إلى ما بعد السلام.
إنها جوهر التسوية نفسها.
مجلس الأمن: هل تتحول العقوبات إلى أداة تفاوض؟
في 24 أغسطس/آب، حذرت روزماري ديكارلو مجلس الأمن من استمرار أطراف النزاع في «منطق عسكري صفري»، مشيرة إلى اتساع رقعة القتال وتزايد المعاناة الإنسانية.
وقالت إن نحو 13 مليون شخص فروا من منازلهم، بينهم نحو 8.7 ملايين نازح داخليًا فيما وثقت الأمم المتحدة نحو 1400 وفاة بين المدنيين خلال النصف الأول من العام، من بينها نحو 1100 حالة مرتبطة بضربات بطائرات مسيّرة.
الأرقام وحدها تكشف أن الحرب تجاوزت منذ زمن حدود الصراع التقليدي بين قوتين مسلحتين.
إنها أصبحت أزمة إنسانية وسياسية وأمنية ذات آثار إقليمية متزايدة.
ولهذا فإن العقوبات وحظر السلاح واستهداف شبكات التمويل قد تصبح أدوات تفاوضية موازية للوساطة.
لكنها لن تكون فعالة ما لم تشمل جميع القنوات التي تسمح باستمرار تدفق السلاح والمال.
العامل الخارجي: السودان لا يتفاوض وحده
أصبح من الصعب فهم الحرب السودانية من دون النظر إلى محيطها الإقليمي والدولي.
مصر تنظر إلى السودان باعتباره قضية أمن قومي ترتبط بوحدة الدولة وأمن الحدود والنيل والبحر الأحمر.
والسعودية تنظر إلى استقرار السودان من زاوية أمن البحر الأحمر، إلى جانب دورها في الوساطة.
أما الإمارات فتواصل نفي الاتهامات الموجهة إليها بدعم قوات الدعم السريع، في وقت تتكرر فيه اتهامات من أطراف سودانية ودولية بشأن هذا الدعم.
وفي المقابل تتحدث واشنطن والأمم المتحدة بصورة متزايدة عن أثر الدعم الخارجي في إطالة الحرب.
وهذا يعني أن أي اتفاق سوداني لن يكون مكتملًا من دون تفاهم إقليمي ودولي موازٍ على احترام التسوية وعدم استخدام الأراضي السودانية لإعادة تشكيل ميزان القوة.
فالسلام الذي لا يترافق مع وقف تدفق السلاح والتمويل قد يتحول إلى مجرد فترة لإعادة ترتيب الصفوف.
لماذا تعثرت كل هذه المسارات؟
يمكن اختصار المأزق التفاوضي السوداني في ست عقد رئيسية:
أولًا: وهم الحسم العسكري.
طالما يعتقد أحد الأطراف أنه قادر على تحسين موقعه في الميدان فإن حافز تقديم التنازلات سيظل محدودًا.
ثانيًا: أزمة الثقة.
كل طرف يتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره احتمالًا لاستغلال الخصم للهدنة في إعادة الانتشار والتسليح.
ثالثًا: عقدة الجيش الواحد.
لا يمكن بناء دولة مستقرة بوجود جيشين مستقلين لكل منهما قيادة وسلاح ومناطق نفوذ.
رابعًا: تعدد مراكز السلطة.
ظهور هياكل موازية يحول الصراع من منافسة على السيطرة إلى صراع على شرعية الدولة نفسها.
خامسًا: انقسام المدنيين.
لا يزال المعسكر المدني عاجزًا عن إنتاج رؤية موحدة للمرحلة الانتقالية وما بعدها.
سادسًا: الدعم الخارجي.
طالما يستطيع طرفا الحرب الحصول على السلاح والمال والمساندة السياسية من الخارج، فإن الضغط الدبلوماسي سيظل محدود الأثر.
ما الذي يجب أن تكون عليه المفاوضات المقبلة؟
إذا كان المطلوب إنهاء الحرب فعلًا، فإن السودان لا يحتاج إلى «مؤتمر جديد» بقدر ما يحتاج إلى هندسة جديدة للعملية التفاوضية.
ويمكن أن تقوم هذه العملية على خمسة مسارات مترابطة:
1. المسار الإنساني
هدنة قابلة للتحقق فتح الممرات، إدخال الغذاء والدواء وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.
2. المسار العسكري
وقف إطلاق نار قابل للمراقبة والتحقق يليه انسحاب تدريجي من المدن والمناطق السكنية وترتيبات واضحة لإعادة الانتشار وآلية مستقلة للتحقق من الخروقات.
3. المسار السياسي
حوار سوداني شامل لا تهيمن عليه أي من القوى المسلحة ويشارك فيه المدنيون والأقاليم والحركات المسلحة والنساء والشباب والمجتمع المدني على قاعدة التوافق لا المحاصصة.
4. إصلاح القطاع الأمني
إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة ومعالجة مستقبل القوات شبه العسكرية ضمن ترتيبات أمنية متفق عليها وقابلة للتنفيذ بدل ترك مسألة السلاح معلقة إلى ما بعد التسوية.
5. العدالة وإعادة بناء الدولة
لا يمكن أن يستمر السلام من دون معالجة الانتهاكات، وإعادة النازحين واللاجئين وإعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد، ثم الانتقال إلى انتخابات ذات مصداقية.
الانتخابات ليست نقطة البداية
من الأخطاء التي يجب تجنبها طرح الانتخابات باعتبارها الحل السريع للأزمة.
السودان يحتاج أولًا إلى استعادة مؤسسات الدولة وضمان الأمن وإعادة النازحين وتهيئة بيئة سياسية تسمح بالمنافسة السلمية.
فالانتخابات في ظل وجود جيوش متعددة وسلاح خارج السيطرة الوطنية يمكن أن تتحول إلى وسيلة جديدة لإدارة الصراع لا لإنهائه.
ولهذا يجب أن تكون الانتخابات نهاية مرحلة الانتقال لا بداية التسوية.
هل اقترب السودان من السلام؟
ربما تكون هذه هي أصعب نقطة في تقييم المشهد.
هناك مؤشرات على تحول مهم في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة.
فالخماسية تحاول دفع مسار سياسي سوداني والأمم المتحدة تضغط باتجاه هدنة ومسار سياسي شامل بينما تعمل الرباعية على الهدنة الإنسانية، وتتحرك واشنطن في اتجاه زيادة الضغط على أطراف الحرب وشبكات الدعم الخارجي.
لكن الميدان لا يزال يتحرك في الاتجاه المعاكس.
فالقصف والقتال مستمران خصوصًا في كردفان فيما تتسع الأزمة الإنسانية.
وفي مدينة الأبيض، وصلت منذ منتصف يوليو/تموز أكثر من 15 ألف أسرة نازحة لتنضم إلى أكثر من 200 ألف شخص كانوا قد وصلوا إلى المدينة في وقت سابق من العام وسط نقص حاد في الغذاء والمياه وخدمات الصرف الصحي.
كما أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن أكثر من 200 ألف شخص نزحوا في أنحاء كردفان منذ أواخر 2025 نتيجة تصاعد القتال والهجمات على البنية التحتية، بما في ذلك الكهرباء والمياه في الأبيض.
وهذا يعني أن نافذة التفاوض موجودة لكنها تضيق.
المشكلة ليست غياب المبادرات… بل غياب الصفقة
بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب أصبح واضحًا أن السودان لا يحتاج إلى مبادرة سلام جديدة بالمعنى التقليدي.
لقد جُرّبت الهدن والمحادثات المباشرة وغير المباشرة والوساطات الإقليمية والدولية ومؤتمرات القوى المدنية.
ما ينقص الآن هو صفقة سياسية وأمنية قابلة للحياة.
صفقة تعترف بأن الجيش لا يستطيع بناء دولة مستقرة إذا ظل السلاح خارج مؤسسة وطنية واحدة وأن الدعم السريع لا يستطيع تحويل السيطرة العسكرية إلى شرعية سياسية دائمة، وأن القوى المدنية لا تستطيع استعادة الدولة من دون بناء توافق واسع يتجاوز الانقسامات الحزبية وأن المجتمع الدولي لا يستطيع المطالبة بالسلام بينما تظل قنوات التسليح والتمويل مفتوحة.
السلام السوداني لن يكون اتفاقًا بين رجلين.
ولن يكون انتصارًا لطرف على آخر.
كما لن يكون مجرد حكومة انتقالية جديدة تُعلن من عاصمة خارج السودان.
إنه يحتاج إلى إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والسلاح والسياسة والمجتمع.
وهذا هو جوهر التفاوض الحقيقي.
فالهدف ليس أن يجلس المتحاربون حول طاولة واحدة لالتقاط صورة مشتركة ولا أن يوقعوا وثيقة أخرى تُضاف إلى أرشيف المبادرات.
الهدف هو أن يصبح خرق الاتفاق أصعب من الالتزام به وأن يصبح استمرار الحرب أكثر كلفة من السلام.
وإذا استطاع الوسطاء السودانيون والإقليميون والدوليون الوصول إلى هذه المعادلة فقد تبدأ نهاية الحرب.
أما إذا بقي كل طرف يفاوض بيده على الطاولة وبندقيته في الميدان فستظل المفاوضات مجرد هدنة بين حربين.
السودان لا يحتاج إلى اتفاق يؤجل الحرب بل إلى تسوية تنهي الأسباب التي تجعل العودة إليها ممكنة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.