قبل أن نتحدث عن الحوار، والانتقال، والدستور، وتقاسم السلطة، علينا أن نتوقف أمام الحقيقة الأكثر إلحاحاً: أوقفوا الحرب أولاً.
ثلاث سنوات من القتال كانت كافية لتحويل السودان إلى بلد مثقل بالموت والنزوح والجوع والدمار. المواطن لا يريد خطباً سياسية جديدة، ولا بيانات تتحدث عن الانتصار، ولا وعوداً مؤجلة؛ يريد أن يعيش، أن يجد دواءً وغذاءً ومأوى، وأن يعود إلى بيته آمناً.
الحرب لم تعد مجرد معركة بين بندقيتين؛ أصبحت كارثة وطنية يدفع ثمنها السودانيون وحدهم.
ولهذا فإن أي حوار سياسي لا يبدأ بوقف إطلاق النار وحماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية، سيظل يدور حول الأزمة بدلاً من معالجتها.
أوقفوا الحرب أولاً، ثم اجلسوا إلى طاولة السياسة.
ليست المشكلة في أن يختلف السودانيون حول شكل الدولة أو من يحكمها، بل في أن يستمر القتال بينما تتسع المقابر ومعسكرات النزوح، وتتآكل مؤسسات الدولة، ويغادر الشباب البلاد بحثاً عن حياة لا يجدونها في وطنهم.
ومن الخطأ تحويل وقف الحرب إلى مكافأة لهذا الطرف أو ذاك. السلام ليس انتصاراً للجيش، ولا انتصاراً للدعم السريع، ولا هزيمة لطرف؛ السلام انتصار للشعب السوداني.
بعد إسكات البنادق يمكن أن يبدأ النقاش الحقيقي: كيف تُبنى دولة مدنية؟ كيف تُصلح المؤسسات العسكرية؟ كيف تتحقق العدالة؟ كيف تتم محاسبة المتورطين في الجرائم؟ وكيف نصل إلى انتخابات حرة يختار فيها السودانيون من يحكمهم؟
أما أن نستمر في الحرب ثم نطلب من المواطن أن يصبر أكثر، فهذا ليس حلاً؛ إنه تأجيل للكارثة.
السودان يحتاج إلى شجاعة سياسية تقول بوضوح:
كفى حرباً. كفى موتاً. كفى نزوحاً.
أوقفوا الحرب أولاً… وبعدها يمكن للسودانيين أن يختلفوا كما يشاؤون حول السياسة، لكن وهم أحياء.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.