في السوكي، لم يعد الحزن مرتبطاً فقط بأرضٍ عطشى أو مساحاتٍ غرقت أو حقولٍ تحولت إلى بور، بل أصبح الحزن في مزارعٍ يضع ما تبقى من ماله وجهده في الأرض، ثم يقف عاجزاً وهو يرى محصوله مهدداً بالخطر، دون أن يجد حوله منظومةً حقيقية تحمي إنتاجه.
المشهد أكثر قسوة لأن المزارع اليوم لا ينتظر محصولاً ممولاً من الدولة، ولا مشروعاً استثمارياً ضخماً تقف خلفه شركة أو مستثمر، وإنما يزرع بما يملك، ويتحمل وحده تكلفة المدخلات والعمالة والمخاطر، في ظل غياب برنامج زراعي ممول وواضح للمحاصيل التعاقدية.
وهنا يجب أن تكون الصورة واضحة: غياب التمويل أو المستثمر ليس مسؤولية مدير الوقاية وحده، ولا يمكن مطالبته بوضع خطة حماية لمحصول لم تضع الدولة أو الجهات الاستثمارية أصلاً برنامجاً لزراعته.
لكن حين يخرج المزارع إلى أرضه ويزرع محصول الذرة، يصبح أمامنا واقع قائم لا يجوز تجاهله.
محصول موجود في الحقول، ومزارعون ينتظرون حصاداً يعوضهم بعضاً من خسائرهم، وخطر الطيور يقترب من هذا المحصول، خصوصاً في الغابات والمناطق المحيطة بأقسام مشروع السوكي الأربعة.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: ماذا تستطيع الوقاية أن تفعل؟
المطلوب ليس تحميل إدارة الوقاية ما لا تملك، وليس مطالبتها بتمويل الزراعة أو توفير المدخلات، وإنما المطلوب منها أن تتحرك عندما يظهر خطر يستوجب التدخل الفني، وأن تبادر بالتنسيق مع الوقاية الاتحادية والولائية والجهات المختصة لوضع معالجة عاجلة لحماية محصول المزارعين.
فالوقاية ليست مرتبطة فقط بالمحاصيل التي تأتيها في دفاتر التمويل والعقود؛ الوقاية في جوهرها حماية للإنتاج متى كان هناك إنتاج قائم يحتاج إلى الحماية.
والمزارع في السوكي دفع الثمن مرتين؛ مرة عندما واجه الغرق والعطش والبور، ومرة عندما تحمل تكلفة الزراعة من جيبه. وليس من العدل أن يدفع الثمن الثالث بأن يرى الطيور تلتهم ما بقي من محصوله بينما الجميع ينتظر أن تتحول الخسارة إلى أرقام.
إن الغابات المحيطة بأقسام المشروع الأربعة ليست أمراً خفياً، ومشكلة الطيور ليست مفاجأة. ولذلك فإن التحرك المبكر أقل تكلفة من انتظار الضرر ثم البحث عن المبررات.
المطلوب اليوم ليس الكلام عن خطة لم تكن موجودة، وإنما صناعة مبادرة من واقع موجود.
هناك مزارع زرع، وهناك محصول قائم، وهناك خطر معروف؛ وهذه وحدها أسباب كافية لأن تتحرك الجهات المختصة.
وإذا كانت الدولة لم تمول محصولاً، والمستثمر لم يدخل بشراكة، فهذا لا يعني أن المزارع الذي زرع وحده يجب أن يواجه وحده كل المخاطر.
فالسوكي ليست مجرد مساحات زراعية على الورق؛ إنها مزارعون وبيوت وأسر وأمل في موسم أفضل.
لذلك، فإن حماية ما تبقى من محصول الذرة ليست خدمة للمزارع فقط، وإنما دفاع عن ما تبقى من روح المشروع.
والسؤال الذي يجب أن يظل مفتوحاً أمام إدارة المشروع والوقاية والجهات المختصة
إذا كان المزارع قد تحرك وزرع رغم كل الظروف.. فلماذا لا تتحرك الجهات المسؤولة لحماية ما زرعه؟
فالوقت الذي يمكن فيه إنقاذ المحصول هو الآن، أما بعد وقوع الخسارة فلن تنفع البيانات، ولن تعيد المبررات حبة ذرة واحدة إلى مخزن المزارع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.