صراع اليمين واليسار في السودان.. معارك أيديولوجية فوق أنقاض الدولة

بقلم: يوسف عزالدين

لطالما شكّل التدافع الأيديولوجي بين تيار اليمين وحركات اليسار المحرك الأساسي للمشهد السياسي في السودان منذ فجر الاستقلال. ويُعتبر هذا الصراع، الذي تجاوز في كثير من الأحيان أروقة البرلمانات والجامعات، ليتحول إلى صدامات على كراسي الحكم وصياغة دساتير البلاد، من أبرز سمات الحياة السياسية السودانية.

 

ويطرح ذلك سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لخطين متوازيين في الفكر والمنهج أن يلتقيا يومًا؟

 

الإجابة تكمن في قراءة تفصيلية لملفات الخلاف العميقة، ومحطات التوافق النادرة التي فرضتها جغرافيا الأزمات السودانية المعقدة.

 

ومن أبرز أوجه الاختلاف علاقة الدين بالدولة، إذ تمثل هذه القضية حجر الزاوية في الخصومة السياسية.

 

يرى اليمين السوداني، وتحديدًا الحركة الإسلامية والكيانات المحافظة، أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي والوحيد للتشريع، وهي المعبر الحقيقي عن هوية الشعب السوداني.

 

في المقابل، يتبنى اليسار بمختلف أطيافه، مثل الحزب الشيوعي والقوى العلمانية، موقفًا حاسمًا بضرورة فصل الدين عن مؤسسات الدولة، واعتماد نظام مدني ديمقراطي يقف على مسافة واحدة من جميع الأديان والثقافات، لمنع استغلال الدين في الصراع السياسي.

 

ولم يكن الدين هو الأساس لهؤلاء، وإنما الفلسفة الاقتصادية هي أصل الخلاف الفكري على لقمة عيش المواطن.

 

ويتبلور الاختلاف بين النقيضين في كل مفصل من مفاصل الدولة.

 

وتبرز الاتهامات بإدارة الفشل في كل منحى، فوجدنا الإخفاق في إدارة التنوع العرقي والثقافي من كلا الطرفين.

 

التاريخ السياسي السوداني يثبت أن اليمين واليسار وجدا نفسيهما في خندق واحد تحت وطأة الظروف القاهرة والأزمات الوجودية والحروب المصنوعة.

 

ولكن عندما تضيق الحريات ويصبح البقاء السياسي مهددًا، يتجاوز الطرفان الخلاف الفكري مؤقتًا، وكلاهما يكتسب الشرعية من العسكر.

 

للشارع السوداني كلمة؛ لأنه المستهدف، وقامت هذه التيارات من أجله. فنجد لافتات اليسار واليمين تلتقي في ساحات الوحدة، فكانت في الاعتصامات مدفوعة برغبة مشتركة من أجل التغيير.

 

ومن جهة أخرى، يبرز التوافق في ملف السيادة الوطنية ورفض التدخلات الأجنبية، في اللحظات التي يشعر فيها الطرفان أن القرار السوداني مستهدف من قوى إقليمية أو دولية، فيصدران غالبًا خطابًا موحدًا يدعو إلى التمسك بالسيادة الوطنية ورفض الإملاءات الخارجية.

 

إذن، مستقبل الاستقرار في السودان لا يتطلب ذوبان أحد التيارين في الآخر، بل يستوجب صياغة عقد اجتماعي جديد يضمن التنافس السلمي على السلطة، ويحوّل هذا الصراع الأيديولوجي من معارك أزهقت المواطن ودمرت الوطن إلى حوار ديمقراطي، ومعينًا للتجربة السياسية، ويخدم المواطن السوداني الذي سئم من دفع فاتورة هذه الخصومة التاريخية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.