بين العارف والوحش.. والوَرْد إذا تنحّى؟!

الجميل الفاضل

في ميزان الرحمة، لا شيء صغير.
هرةٌ حبستها امرأة، فكان في حبسها هلاكها؛ وكلبٌ أضناه العطش، سقته امرأة، فكان في سقياه نجاتها.
هكذا قد يكون مصير الإنسان معلّقاً بقسوةٍ لم يرها كبيرة، أو برحمةٍ لم يرها كذلك.

يُروى أن إبراهيم بن أدهم لقي أسداً في طريقه، فلم يفرّ منه، ولم ينازعه بأسه؛ وإنما خاطبه بهدوء العارف:
«يا أبا الحارث، إن كنتَ أُمرتَ فينا بشيءٍ فامضِ لما أُمرتَ به، وإلا فتنحَّ عن طريقنا».
نظر إليه الأسد بأدب، ثم امتثل، فتنحّى.
ومن هنا تبدأ حكاية مثيرة؛ هي ليست مجرد قصة رجلٍ واجه وحشاً، إنما هي قصة قوةٍ عرفت حدّها فلزمته.
وبالطبع، للوَرْدِ في مخيّلتنا صورتان: وَرْدٌ إذا وَرَدَ البحيرةَ شارباً، وَرَدَ الفراتَ زئيرُهُ والنيلَ؛ ووَرْدٌ آخر، عرف حين رأى عارفاً أن لصوته حدّاً، ولقوته زماماً.
وَرْدٌ كان يعلو بالزئير، ووَرْدٌ بات يسمو بالتنحّي.
هكذا كان المشهد لرجلٍ لم يستسلم للخوف، وأسدٍ لم يستجب لغريزته؛ وبينهما شيء ثالث لا يُرى: أدبٌ يردّ كل قوة إلى مقامها.
فالأسد ما كان مجرد وحشٍ حبسَ طريقاً؛ إنه كان صورة قوة بلغت أقصى مداها: قوة تستطيع أن تفترس بالفعل، بيد أنها لم تستطع أن تفعل.
ولعل في ذلك سراً من أسرار أخرى: فالقوة لا تُقاس بما تستطيع فعله فقط، وإنما بمدى تملّكها لزمام أمرها عندما تأتي ساعة الفعل.
وهنا تخرج حكاية ابن أدهم من طريقه إلى طرق السودان الوعرة.
فالسودان الذي دخلته الحرب لم يكن ينقصه السلاح؛ إنما كان ينقصه الحدّ الذي يردّ السلاح إلى قدره.
إذ حين تخرج القوة من حدّها، لا تعود تحمي الحياة، بل تبدأ في ابتلاعها.
وحين تصبح الغلبة غايةً بذاتها، تضيق مساحة الوطن حتى لا يبقى فيه إلا من استطاع أن يفرض حضوره بالقوة أيضاً.
مع أن الأوطان، في أصل معناها، ليست ساحاتٍ لإثبات من هو الأقوى.
فالوطن هو المكان الذي ينبغي أن يجد فيه القوي والضعيف، والغالب والمغلوب، والواقف على رصيف الطريق والعائد إليه، موضعاً مشتركاً للعيش والحياة.
لكن في هذه الحكاية حدّاً خفياً يجعل حتى للأسد تخوماً، وحتى للغريزة لحظةً تتوقف عندها.
تلك هي لحظة سكينة العارف، الذي يعرف أن قوة كل قوي، مهما علت، ليست مطلقة؛ وأن وراء كل قدرةٍ قدرةً أعلى منها.
ولعل السودان، في هذه الأيام الحرجة، يحتاج قبل كل شيء إلى استعادة هذا اليقين: يقين أن لكل قوةٍ حدّاً، للجيوش حدّاً، وللسلاح حدّاً، وللسياسة حدّاً، وللغضب حدّاً، وحتى للانتصار نفسه حدّاً.
إذ حين يغيب الحدّ، تصبح البلاد أضيق على أبنائها؛ وحين يحضر، يصبح الاختلاف ممكناً، وتصبح السياسة كلاماً يمكن أن يُسمع، لا ناراً تُطلق.
ثم تأتي الكلمة التي تبدو، في قاموس القوة، كأنها تراجع: «تنحّى».
فالوَرْد الذي يملأ الدنيا زئيراً لا يخسر أسديته عندما يتنحّى؛ طالما أنه لم ينكسر، ولم يُهزم؛ إنما عرف الزمن التي يكون فيه ترك الطريق أبلغ من احتلاله.
وهنا تكاد تلامس القصة جرح السودان مباشرة: متى تكون مغادرة المشهد فضيلة؟
ومتى يعرف صاحب القوة أن البلاد لا تحتاج إلى أن يثبت لها كل يوم أنه قادر على الغلبة؟
ومتى يدرك أن أعظم ما يمكن أن يفعله القوي أحياناً هو أن يدع المجال لغيره؟
فالتنحّي ليس دائماً انسحاباً؛ قد يكون إفساحاً للطريق، وردّاً للأمر إلى أهله، ونجاةً لما تبقى من أرضٍ وشعب.
واليد التي تستطيع أن تضرب ثم تكفّ، أقوى من تلك التي لا تعرف إلا البطش.
ولعل أجمل ما في مقابلة العارف بالوحش أنها لم تحتج إلى كثير كلام.
فالأسد لم يقل كلاماً ساكتاً بلا قيمة؛ إنما نظر، وفهم، وتنحّى.
أما نحن، فكثيراً ما نملأ الطريق بضجيج الكلام، ثم نعجز عن سماع الكلمة التي قالتها لنا التجارب منذ قرون: أن لكل قوةٍ حدّاً.
المهم، فإن السودان لم يكن في حاجة، طوال هذه السنوات، إلى مزيد من الأصوات التي تتحدث باسمه، بقدر حاجته إلى من يسمعه هو نفسه يقول بلسان حاله: «كفى».
كفى للغلبة عندما تصبح غاية.
وكفى للبنادق حين تتحول من وسيلة إلى مجد يُذكر.
وكفى للخصومة حين تأكل أصحابها.
فالسودان ليس غنيمةً لمن غلب، ولا ميراثاً لمن سبق، ولا ملكاً لمن حمل السلاح.
إنه بيتٌ واسع؛ كلما ضاق قلب أبنائه بأبنائه، ضاق هو بهم جميعاً.
ولذلك، ليست كل خطوةٍ إلى الأمام انتصاراً، ولا كل خطوةٍ إلى الوراء هزيمة.
فأحياناً قد يكون التنحّي أرفع أشكال القوة: أن تتنحّى أدوات الحرب قليلاً، كي يتقدم ركب السلام.
وأن يتراجع صوت السلاح قليلاً، كي يُسمع صوت الناس.
وأن تخفّ القبضة، كي تلتقط البلاد أنفاسها.
وقد لا تكون الرحمة، عندئذ، نسياناً للجراح، ولا إلغاءً للحق؛ بل أن يستعيد الحق وجهه الإنساني، وتستقيم للعدالة موازينها، وللذاكرة مكانها، من غير أن تتحول القوة إلى ثأر.
وهكذا تترك لنا الحكاية ثلاث كلمات، كأنها ثلاث درجات:
الأسد: قوةٌ تستطيع.
والحدّ: بصيرةٌ تمنع.
والتنحّي: قوةٌ امتثلت لأمر ربها.
على أية حال، يستطيع السودان الخارج من غابة الحرب أن يتعلم هذه الدرجات بالترتيب:
أن يعرف القوة، ثم يعرف حدّها، ثم يعرف متى يُفسحُ القدر لخروجها طريق.
فربما لا يبدأ الخروج من الغابة حين يسقط آخر سلاح، لكن حين تعرف يد القوة الباطشة متى تتنحّى.
فالأسد إذا تنحّى، لم يخسر قوته؛ إنما استردّها من غريزة التوحّش، ولو لبعض حين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.