■ قرأت باهتمام كبير مقال الدكتور علي عبد الله الخليفة طه المنشور في صحيفة الراكوبة الإلكترونية، وعلى صفحات سودانيزاونلاين، بعنوان؛ “استكمالاً لا مصادمة.. من الأوغاد لا يهدأون إلى الجدار المؤسسي وشرعية النفير”. وأسعدني فيه، قبل الاتفاق أو الاختلاف، أنه تعامل مع مقالي “الأوغاد لا يهدأون” بالطريقة التي أرجو أن نتعامل بها مع الأفكار في هذه اللحظة السودانية الحرجة؛ أن نبدأ من حيث انتهى الآخر، لا أن نهدم ما قاله لكي نقيم مكانه ما نقول. فمقالي كان معنياً أساساً باستعادة زمام المبادرة؛ كيف تتحول الأغلبية السودانية الراغبة في إنهاء الحرب والدولة المدنية من قوة اجتماعية مبعثرة إلى قوة سياسية منظمة، في مواجهة البرهان وقوى النظام السابق وحلفائهم الإقليميين. ود. علي لا يعترض على هذا التشخيص، وإنما يقول، في جوهر مداخلته؛ إن الدعوة إلى “مركز ثقل مدني واحد” لا تكفي ما لم نجب عن سؤال أصعب؛ كيف نبنيه بحيث لا ينتهي إلى المصير نفسه الذي انتهت إليه تجاربنا وتحالفاتنا المدنية السابقة؟ وهذا سؤال أرحب به، لأنه ينقل الحوار من ضرورة الفعل إلى شروط نجاحه، ومن إعلان ما نريده إلى التفكير في المؤسسة القادرة على حمله.
■ والأهم أن القارئ ينبغي أن يعرف أن د. علي لا يطرح هذا السؤال من خلال مقال منفرد، وإنما من داخل مشروع يعمل عليه تحت عنوان “ميثاق النجاة وبناء الدولة”، ومنهج اختار له عبارة دالة هي “استكمالاً لا مصادمة”، يحاول من خلاله نقل كثير من الأفكار المتداولة في الساحة السودانية من مستوى التشخيص السياسي إلى مستوى البناء المؤسسي. وهنا، في تقديري، ينبغي أن نوضح الفرق حتى لا تختلط المساحتان؛ “الأوغاد لا يهدأون” ليس مشروعاً لهندسة الدولة بقدر ما هو افكار لاستعادة المبادرة وبناء ميزان قوة مدني جديد؛ أما “ميثاق النجاة وبناء الدولة” فيذهب أبعد في سؤال الهندسة المؤسسية للدولة وللقوة المدنية نفسها. أنا أسأل ابتداءً؛ كيف نجمع القوة الاجتماعية المبعثرة، وكيف نبني مركز ثقل مدنياً، وكيف ننظم الشارع والنقابات والمهجر، وكيف نستثمر الرصيد الأفريقي والدولي، وكيف ننتزع المبادرة من البرهان وقوى النظام السابق وحلفائهم؟ ود. علي يسأل؛ إذا نجحنا في جمع هذه القوة، فبأي بنية تعمل، ومن أين تستمد شرعيتها، وكيف نحميها من الهيمنة والانقسام، وكيف تتحول في نهاية المطاف إلى مؤسسات دولة؟ ومن هنا تأتي مفاهيمه؛ “الجدار المؤسسي”، و”الشرعية الوظيفية الصاعدة”، و”اقتصاد البوابات”، و”العدالة الانتقالية الثلاثية”، و”مبادرة الجسر الانتقالي”، و”النفير الوطني الكبير”. إذن نحن لا نقف أمام مشروعين متطابقين، ولا أمام مشروع يلغي الآخر؛ بل أمام سؤالين متتابعين ومتكاملين؛ كيف نبني القوة القادرة على استرداد الدولة؟ وكيف نبني الدولة التي تستحق أن تستردها هذه القوة؟ وفي المسافة بين السؤالين، في رأيي، توجد مساحة الحوار الحقيقية بين معاني “الأوغاد لا يهدأون” و”ميثاق النجاة وبناء الدولة”.
■ ويقترح د. علي في مشروعه “جداراً مؤسسياً” يفصل بين طبقة سياسية تفاوضية تدير الملفات الدستورية والحكومية، وطبقة تنفيذية مدنية تتولى الحشد والعمل الميداني، والفكرة في أصلها جديرة بالتأمل؛ لأنها تحاول حماية الطاقة الجماهيرية من صراعات الأحزاب والمقاعد التي أضعفت التجارب المدنية السابقة. لكن السياسة، بطبيعتها، لا تبقى طويلاً خلف الجدران التي نبنيها لها؛ فالنقابة تمارس السياسة عندما تدافع عن حقوق العاملين، ولجنة المقاومة تمارسها عندما تطالب بالدولة المدنية، والمزارع يدخل قلب السياسة عندما يدافع عن الأرض والموارد، وحتى “النفير” نفسه يصبح فعلاً سياسياً في اللحظة التي يقرر فيها متى يتحرك، وضد من، ولأي هدف. ولذلك فإن السؤال، في تقديري، ليس فقط كيف نفصل السياسي عن التنفيذي، وإنما كيف نبني مؤسسة تمنع احتكار الاثنين معاً؟ كيف نضمن تداول القيادة، وشفافية التمويل، والمحاسبة، وتمثيل الأقاليم والنساء والشباب والنقابات والمهجر، ومنع أي حزب أو مجموعة من اختطاف المؤسسة الجديدة؟ هنا يصبح الجدار الذي نحتاجه ليس جداراً يعزل السياسة عن المجتمع، وإنما جداراً بين التنظيم والهيمنة؛ يسمح للقوى السياسية بأن تمارس دورها الطبيعي، ويحمي في الوقت نفسه القوة الجماهيرية من أن تصبح ملكاً لأي حزب أو قيادة أو تحالف.
■ أما “الشرعية الوظيفية الصاعدة” فأراها من أكثر الأفكار إثارة للاهتمام في طرح د. علي؛ أن تُبنى الشرعية من أسفل، من قدرة المؤسسات المحلية على تقديم الخدمة والحماية والعدالة، بدلاً من أن تهبط من اتفاق توقعه النخب في الأعلى. لكن الحرب نفسها تضع أمام هذه الفكرة امتحاناً قاسياً: كيف نبني شرعية وظيفية في وطن تتعدد فيه سلطات الأمر الواقع؟ من يختار الوحدة المحلية؟ ومن يحميها؟ ومن يمولها؟ وكيف نمنع الطرف المسلح المسيطر على المنطقة من ابتلاعها وتحويل الخدمة نفسها إلى وسيلة لشراء الولاء؟ وهذه الأسئلة لا تهدم الفكرة؛ بل هي التي يمكن أن تحولها من مفهوم جميل إلى مشروع قابل للحياة. والأمر ذاته ينطبق على “اقتصاد البوابات”؛ فد. علي محق في أن الحديث عن جيش وطني واحد يظل ناقصاً إذا بقيت التشكيلات المسلحة تمتلك مصادر تمويل مستقلة من الجبايات والحدود ونقاط العبور والتهريب واقتصاد الحرب. لكن تفكيك هذا الاقتصاد ليس مجرد قرار مالي أو إداري؛ إنه صراع على القوة ذاتها. فمن يسيطر على مورد يمول به بندقيته لن يسلمه طوعاً لأنه اقتنع بجودة الوثيقة، ولذلك يجب أن يرتبط تجفيف اقتصاد الحرب بمشروع متكامل للسلطة والأمن والرقابة على الموارد والحدود والعقوبات على شبكات التمويل، وإلا أصبحنا نطالب البندقية بأن تتخلى بنفسها عن الخزانة التي تشتري بها الرصاص.
■ وأتفق مع د. علي بصورة خاصة في أن الدبلوماسية المدنية لا يمكن أن تستمر حاملة شعارات عامة وحدها؛ فلا يكفي أن نذهب إلى واشنطن وأديس أبابا وعواصم الرباعية لنقول إننا نريد وقف الحرب والحكم المدني. العالم سيطرح علينا، ومن حقه أن يفعل، الأسئلة الأصعب؛ كيف؟ ومن؟ وبأي ترتيبات؟ وفي أي جدول زمني؟ وماذا ستفعلون بالجيش والدعم السريع وبقية التشكيلات المسلحة؟ ومن يدير الدولة في اليوم التالي؟ ومن هنا تأتي أهمية فكرته عن “مبادرة الجسر الانتقالي” بوصفها وثيقة تفاوضية يمكن أن يحملها المدنيون إلى العالم بدلاً من حمل الشكوى وحدها. لكنني أضع هنا شرطاً أراه حاسماً؛ ألا تصبح الوثيقة ملكاً لمن كتبها، وألا يتحول أي ميثاق جديد إلى مشروع يطلب من بقية السودانيين الانضمام إليه، فنعود من الباب الآخر إلى المرض الذي أرهق السياسة السودانية؛ أن لكل جماعة مشروع خلاص، ثم نقضي الوقت مختلفين حول أي مشروع خلاص ينبغي أن يخلصنا! المطلوب، في تقديري، أن تتحول الأفكار الجيدة في جميع المواثيق والمبادرات إلى ملكية سودانية مشتركة؛ نأخذ من هذا الميثاق هندسته المؤسسية، ومن آخر تصوره الاقتصادي، ومن لجان المقاومة خبرتها القاعدية، ومن النقابات قدرتها التنظيمية، ومن القانونيين مشروع العدالة، ومن الاقتصاديين تصور إعادة البناء، ومن الخبراء الأمنيين مشروع إصلاح المؤسسة العسكرية، ثم نصنع من كل ذلك مشروع دولة أكبر من الجميع، لا يستطيع فرد ولا حزب ولا تحالف أن يضع اسمه عليه ويقول؛ هذا مشروعي.
■ وهنا أصل إلى النقطة التي بدأ منها مقالي “الأوغاد لا يهدأون”، والتي أعتقد أن مقال د. علي جعلها أكثر إلحاحاً لا أقل؛ الوقت نفسه أصبح عنصراً في ميزان القوة. نعم، نحتاج إلى الجدار المؤسسي، والشرعية الصاعدة، والعدالة الانتقالية، وتفكيك اقتصاد الحرب، والوثيقة التفاوضية، والنفير المنظم؛ لكن من سيبدأ؟ ومتى؟ إن البرهان وقوى النظام السابق وحلفاءهم لا ينتظرون اكتمال نظريتنا عن الدولة حتى يتحركوا؛ إنهم يصنعون واقعهم كل يوم، ويملأون كل فراغ نتركه، ويبنون علاقاتهم في الإقليم والعالم، ويعيدون ترتيب مواقعهم داخل مؤسسات السلطة، ويحاولون تحويل ما أنتجته الحرب إلى حقائق سياسية يصعب اقتلاعها لاحقاً. ولذلك ربما أصبح السؤال الذي ينبغي أن يستمر حوله هذا الحوار أعمق من سؤال مقالي الأول وأسبق من تفاصيل أي ميثاق؛ كيف نحول كل هذه الأفكار المتفرقة، الآن وليس غداً، إلى فعل جماعي يبدأ قبل اكتمال البناء؟ ربما نحتاج إلى ميثاق، وبالتأكيد نحتاج إلى مؤسسات؛ لكننا قبل ذلك نحتاج إلى لحظة تأسيس يتنازل فيها الجميع عن وهم امتلاك الحل منفردين، ويجلسون لا لتقسيم المقاعد، بل لتقسيم العمل؛ من ينظم الداخل؟ من يعيد بناء النقابات؟ من يخاطب أفريقيا؟ من يذهب إلى واشنطن والرباعية؟ من يعد ملف الاقتصاد؟ من يضع تصور العدالة؟ ومن يبني برنامج اليوم التالي؟ عندها فقط يصبح اختلافنا مصدر قوة لا سبباً لانقسام جديد. وأشكر الدكتور علي عبد الله الخليفة طه لأنه لم يغلق السؤال بل وسّعه؛ وأتمنى أن يأتي ثالث ورابع وعاشر ليضيفوا إليه، لأن السودان لن تخرجه من هذه الكارثة عبقرية فرد ولا وثيقة واحدة. الأوغاد لا يهدأون؛ وربما تكون الإجابة الأجدى عليهم أن يتوقف أصحاب الدولة المدنية عن كتابة مشاريعهم كلٌّ في غرفته، ويبدأوا أخيراً في بناء المشروع معاً.
■ مقال الدكتور علي عبد الله الخليفة طه؛
استكمالاً لا مصادمة
من «الأوغاد لا يهدأون» إلى الجدار المؤسسي وشرعية النفير
قراءة في مقال الأستاذ علاء خيراوي في ضوء ميثاق النجاة وبناء الدولة
تمهيد: في محل الاتفاق
يضع الأستاذ علاء خيراوي، في مقاله «الأوغاد لا يهدأون»، إصبعه على جرح حقيقي في المشهد السوداني: أن قوى الثورة المضادة لم تكف يوماً عن العمل، بينما ظل بعض أصحاب الثورة ينتظرون دعوة إلى مائدة يصنعها خصومهم. هذا التشخيص يلتقي في جوهره مع الفرضية التأسيسية لميثاق النجاة وبناء الدولة: أن مشكلة المدنيين ليست غياب القوة الاجتماعية، بل تبعثرها وغياب الهندسة المؤسسية التي تجمعها في مركز ثقل قادر على الفعل. كما يلتقي المقال مع الميثاق التقاءً حرفياً في نقطة جوهرية أخرى: استبعاد شبكات حزب المؤتمر الوطني المنحل استبعاداً جذرياً من أي تسوية انتقالية قادمة، بوصف ذلك شرطاً لا يقبل المساومة لا تفصيلاً تفاوضياً.
غير أن المقال، في احتفائه المشروع بضرورة «مركز ثقل مدني واحد»، يتوقف عند حدود الدعوة السياسية ولا يتقدم إلى مستوى الهندسة المؤسسية التي تجعل هذا المركز قابلاً للحياة، وتحميه من مصير التحالفات المدنية السابقة التي تبعثرت لأسباب بنيوية لا أخلاقية. وهنا بالتحديد يقدّم الميثاق أدوات تكميلية لا مصادمة لتشخيص خيراوي، بل استكمالاً لمشروعه الفكري نفسه.
من «مركز الثقل» إلى الجدار المؤسسي
يدعو خيراوي إلى «جبهة وطنية مدنية عريضة» حول حد أدنى غير قابل للمساومة، لا تحالفاً جديداً يُضاف إلى عشرات التحالفات ولا مؤتمراً تتوزع فيه المقاعد. لكن السؤال الذي يتركه المقال معلقاً هو: ما الذي يمنع هذه الجبهة، عند لحظة الاختبار الأولى، من الانزلاق إلى صراع المقاعد نفسه الذي عصف بتجربة «قوى الحرية والتغيير»؟ التاريخ القريب يقول إن حسن النية في «الحد الأدنى» لا يكفي حين تغيب البنية التي تحول دون ابتلاع السياسة الحزبية للعمل الجماهيري.
يجيب الميثاق على هذا السؤال ببنية محددة هي الجدار المؤسسي: فصل صارم بين طبقتين، طبقة سياسية تفاوضية تُدير الملفات الدستورية والحكومية، وطبقة تنفيذية مدنية هي «النفير» تدير الحشد الجماهيري والعمل الميداني، بحيث لا تتحول الثانية إلى أداة في يد الصراعات الحزبية للأولى، ولا تُستنزف طاقة الشارع في معارك المقاعد التي حذر منها خيراوي نفسه. هذا الجدار ليس حلاً إدارياً شكلياً، بل هو الضمانة البنيوية التي تجعل «الحد الأدنى» قابلاً للصمود بعد أول خلاف سياسي، لا مجرد شعار يتبخر معه.
من الحد الأدنى إلى الشرعية الوظيفية الصاعدة
يطرح المقال حداً أدنى سياسياً واضحاً: وقف الحرب، ورفض حكم الجيش والمليشيا، ورفض عودة نظام الإنقاذ، وجيش وطني واحد، وانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي كامل. هذه أهداف صحيحة، لكنها تظل، كما صاغها المقال، إعلاناً سياسياً لا آلية بناء. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف تنتقل هذه الأهداف من بيان نخبوي إلى سلطة فعلية على الأرض، دون أن تتكرر مأساة اتفاقات النخب الهشة التي تنهار عند أول أزمة؟
يقدّم الميثاق هنا مفهوم الشرعية الوظيفية الصاعدة: شرعية لا تُمنح من قمة التوافق السياسي نازلة إلى القاعدة، بل تُبنى تصاعدياً من الأداء الوظيفي الفعلي في الوحدات المحلية، فالإقليمية، فالمركزية. بهذا المعنى، يصبح «الحد الأدنى» الذي يطرحه خيراوي نقطة انطلاق لا نقطة وصول، تُختبر شرعيته يومياً بقدرته على تقديم الخدمة والحماية والعدالة، لا بمجرد التوقيع عليه في وثيقة.
الجيش الواحد لا يُبنى بالشعار: اقتصاد البوابات
يطالب المقال بـ«جيش وطني مهني واحد» يحمي الدولة ولا يحكمها، وهو مطلب لا خلاف حوله. غير أن المقال لا يتوقف عند العائق المادي الحقيقي أمام هذا المطلب: اقتصاد الحرب الذي يُبقي المليشيات والشبكات الموازية قائمة بمعزل عن أي اتفاق سياسي، لأن مصالح مسلحة فعلية تُبنى على شبكات جباية ونقاط تفتيش وتهريب توفر تمويلاً مستقلاً عن الدولة.
هذه بالضبط الفجوة السادسة في الميثاق، أو ما يُعرف باقتصاد البوابات: تفكيك شبكات الجباية المسلحة على نقاط العبور والحدود ودمج عوائدها في اقتصاد الدولة الرسمي، بوصف ذلك الشرط المادي الذي لا غنى عنه لأي حديث جاد عن جيش وطني موحد. فمن دون تجفيف هذا الاقتصاد الموازي، يظل شعار «الجيش الواحد» تصريحاً نوايا لا مساراً قابلاً للتنفيذ.
العدالة «دون انتقام»: من الشعار إلى المسار
يتقاطع المقال مع الميثاق في نقطة حساسة: الإصرار على استبعاد شبكات نظام الإنقاذ استبعاداً جذرياً، مع الحديث في الوقت نفسه عن «عدالة دون انتقام». غير أن الجمع بين هذين المطلبين يحتاج مساراً قضائياً محدد المعالم، لا موازنة خطابية بين شعارين قد يبدوان متعارضين.
يوفر الميثاق هذا المسار عبر العدالة الانتقالية الثلاثية: مجالس مصالحة محلية للجرائم الأقل جسامة وقضايا التماسك المجتمعي، فلجنة حقيقة وتعويض تُوثق الانتهاكات وتجبر الضرر، فدائرة قضائية متخصصة بالجرائم الكبرى لا يشملها أي عفو. بهذا التدرج، يتحول الاستبعاد الجذري لشبكات النظام السابق من موقف أخلاقي عام إلى إجراء قضائي محدد، ويصبح «دون انتقام» ضمانة إجرائية لا تنازلاً عن المحاسبة.
الدبلوماسية بلا وثيقة تحمل: مبادرة الجسر الانتقالي
يصيب المقال في دعوته إلى دبلوماسية مدنية أفريقية وأمريكية دائمة ومحترفة، لا تنتظر استدعاء المبعوثين الدوليين. لكنه يترك هذه الدبلوماسية تدافع عن مبادئ عامة ، لا حل عسكري، انتقال مدني، دون أن تحمل معها وثيقة تفاوضية جاهزة يمكن عرضها في أديس أبابا وواشنطن وبروكسل كبديل عملي، لا مجرد اعتراض على الأمر الواقع.
مبادرة الجسر الانتقالي في الميثاق مصممة لتكون هذه الوثيقة تحديداً: إطار تفاوضي مكتوب وقابل للتقديم، يترجم شعارات «الحكم المدني» و«الجيش الوطني» إلى بنود وترتيبات تنفيذية محددة زمنياً، بحيث يذهب الوفد المدني إلى العاصمة الأجنبية ومعه مشروع دولة لا مجرد شكوى من مشروع الخصم، على النحو الذي أشار إليه خيراوي نفسه حين قال إن من لا يشرح قضيته سيجد خصمه يشرحها نيابة عنه.
الحشد الجماهيري المنظم: النفير الوطني الكبير
يستدعي المقال، في ختامه، أدوات المقاومة المدنية الكلاسيكية: التنظيم النقابي، والعمل الجماهيري السلمي، والإضراب، والعصيان المدني «عندما تتوافر شروطهما». هذا التحفظ الأخير هو موضع الفجوة: فمن الذي يقرر توافر الشروط؟ ومن الذي يحمي هذا الحشد من الاستقطاب الحزبي الذي حذر منه المقال نفسه في سياق آخر؟
النفير الوطني الكبير في الميثاق هو الإطار التنظيمي الذي يجيب على هذا السؤال: طبقة مدنية-تنفيذية منظمة، محمية بالجدار المؤسسي عن الصراع الحزبي، مهمتها تحويل الطاقة الاجتماعية الهائلة التي وصفها خيراوي ، النقابات ولجان المقاومة والمزارعين والعمال والمهاجرين ، من احتمال كامن إلى قوة منظمة قادرة على الحسم في اللحظة المناسبة، لا أن تُستدعى ارتجالاً عند كل أزمة.
خاتمة: استكمالاً لا مصادمة
مقال «الأوغاد لا يهدأون» يشخّص بدقة عالية طبيعة المعركة: أن الخصم منظم ومستمر، وأن المدنيين يملكون قوة اجتماعية هائلة معطلة بغياب الهندسة التي تجمعها. وميثاق النجاة وبناء الدولة، بمكوناته الستة – الجدار المؤسسي، الشرعية الوظيفية الصاعدة، اقتصاد البوابات، العدالة الانتقالية الثلاثية، مبادرة الجسر الانتقالي، والنفير الوطني الكبير، لا يقدّم بديلاً عن هذا التشخيص، بل يقدّم الهندسة المؤسسية التي تحوّله من مطالب سياسية صحيحة إلى دولة قابلة للبناء فعلاً. فالسؤال الذي أنهى به خيراوي مقاله ، ماذا سيفعل السودانيون لاستعادة زمام المبادرة؟ لا يُستكمل الجواب عليه إلا حين تتحول اللحظة السياسية إلى بنية مؤسسية تصمد بعد زوال حماسة اللحظة نفسها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.