لم يعد السودان يحتمل المزيد من السلاح. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد القضية مجرد معارك بين طرفين، ولا صراعاً على مدينة أو موقع عسكري، بل أصبحت معركة مفتوحة على ما تبقى من الدولة والمجتمع والاقتصاد والإنسان.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح توسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية خطوة ضرورية وعاجلة، لا تستهدف طرفاً بعينه بقدر ما تستهدف تجفيف منابع الحرب ووقف تدفق الأدوات التي تمنح المتقاتلين القدرة على الاستمرار في قتل السودانيين وتدمير بلدهم.
إن حصر حظر السلاح في مناطق محددة لم يعد كافياً أمام طبيعة الحرب الحالية. فالسلاح لا يعترف بالحدود الإدارية، والطائرات المسيّرة والذخائر والتمويل العسكري يمكن أن تنتقل من منطقة إلى أخرى، فيما تستمر شبكات الإمداد في تغذية آلة الحرب بعيداً عن أعين المجتمع الدولي.
كل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيداً من القتلى والنازحين، وتدمير المزيد من المستشفيات والمدارس والمصانع والبنية التحتية، واتساع دائرة الفقر والجوع وانهيار الخدمات.وفي الوقت الذي يحتاج فيه السودان إلى الغذاء والدواء وإعادة تشغيل الكهرباء والمياه والتعليم والصحة، تتواصل سباقات التسليح وكأن البلاد تملك فائضاً من الأرواح والمنشآت والموارد.
السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه أمام مجلس الأمن والمجتمع الدولي هو: إلى متى سيُسمح بتحويل السودان إلى سوق مفتوحة للسلاح، بينما يدفع المدنيون وحدهم ثمن هذه الحرب؟إن وقف الحرب لا يمكن أن يتحقق عبر البيانات وحدها، ولا عبر الدعوات المتكررة إلى التهدئة، بينما تستمر الأسلحة في الوصول إلى ساحات القتال.
الأكثر خطورة أن الحرب باتت توفر لبعض القوى السياسية والعسكرية، وفي مقدمتها التيارات الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق، فرصة لإعادة بناء نفوذها من خلال عسكرة المجتمع وإطالة أمد الصراع.بالنسبة لهذه القوى، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة عسكرية مؤقتة، بل يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي، وإقصاء القوى المدنية، وإغلاق الطريق أمام أي انتقال ديمقراطي حقيقي.
ولهذا فإن قطع الطريق أمام مشاريع توظيف الحرب سياسياً لا يكون بالشعارات، وإنما بتجفيف مصادر القوة العسكرية التي تسمح باستمرارها.ولا يمكن السماح بأن يتحول السودان إلى رهينة لمشروع سياسي يسعى إلى البقاء عبر الحرب، أو أن يصبح المدنيون وقوداً لمعركة هدفها استعادة سلطة فقدها أصحابها.
توسيع حظر السلاح يجب ألا يكون انتقائياً. فإذا كان الهدف حماية المدنيين وإنهاء الحرب، فإن القاعدة يجب أن تكون واضحة: لا سلاح لأي طرف يشارك في القتال أو يعرقل الوصول إلى السلام. كما يجب أن يترافق الحظر مع آليات حقيقية للرقابة على الحدود والموانئ والمطارات ومسارات التمويل والإمداد، وملاحقة الشركات والشبكات والأفراد الذين يسهلون تجارة السلاح وتمويل الحرب.
فالحظر الذي لا يجد طريقه إلى التنفيذ يتحول إلى قرار على الورق، بينما تستمر الحرب على الأرض. المطلوب من مجلس الأمن ليس فقط إصدار قرار جديد، وإنما استخدام أدواته السياسية والقانونية للضغط على جميع الأطراف، وربط أي عملية سياسية بوقف تدفق السلاح واحترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين.
وفي المقابل، يجب ألا يتحول حظر السلاح إلى حصار على الشعب السوداني أو عرقلة للمساعدات الإنسانية. المطلوب هو حظر أدوات الحرب، لا منع الغذاء والدواء والمساعدات. السودانيون لا يحتاجون إلى مزيد من السلاح. يحتاجون إلى ممرات آمنة، ومستشفيات تعمل، ومدارس تفتح أبوابها، وأسواق تستعيد نشاطها، واقتصاد يتوقف عن الانهيار، ودولة تعود إليها مؤسساتها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن ترك السلاح يتدفق لن يقود وحده إلى الحسم، بل يقود إلى مزيد من الدمار وإطالة أمد الحرب. ومن هنا، فإن توسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان ينبغي أن يكون جزءاً من استراتيجية دولية أكثر جدية لإنهاء الحرب، إلى جانب الضغط من أجل وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ودعم مسار سياسي مدني شامل. أما ترك الباب مفتوحاً أمام شبكات التسليح، وتمويل الحرب، وتوظيف الجماعات الأيديولوجية للصراع، فلن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: المزيد من السودان سيُدمَّر قبل أن يجلس السودانيون إلى طاولة السلام.
السودان اليوم لا يحتاج إلى معركة جديدة، بل يحتاج إلى من يوقف ماكينة الحرب. وتوسيع حظر السلاح ليس الحل الوحيد، لكنه خطوة ضرورية لقطع الطريق أمام الذين يريدون تحويل الحرب إلى مشروع دائم، وأمام الإسلاميين الذين قد يرون في استمرارها فرصة لتدمير ما تبقى من الدولة وإعادة بناء نفوذهم فوق أنقاض وطن منهك.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.