في قلب السودان، النابض بالجمال والوجع في قلوب المهمشين، يقف جبل مرة شامخًا شاهدًا على تاريخ ممتد من المقاومة والنضال، لكنه اليوم بات يئن تحت وطأة واحدة من أبشع الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث.
المفارقة الصادمة هنا ليست في قسوة الطبيعة، بل في المأساة التي يعيشها أهل المنطقة تحت مظلة «حركة جيش تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد محمد أحمد النور، الذي يصفه منتقدوه بـ«مستر نو» (Mr. No).
القائد الذي طالما قدّم نفسه حاميًا ومحررًا لأهله، يرى اليوم مناطق نفوذ حركته تتحول إلى ساحة للموت الصامت، حيث يحصد الجوع، وفق إفادات محلية، أرواح ما بين 10 و20 شخصًا يوميًا في جبل مرة.
«مستر نو».. من الرفض السياسي إلى العجز الميداني
سنوات طويلة قضاها عبد الواحد متمسكًا بمبدأ «الرفض القاطع» لكل مبادرات السلام والحوار مع الحكومات والحركات والكيانات السياسية.
وكان مبرره الدائم هو عدم المساومة على حقوق أهل دارفور وضحايا الإبادة الجماعية.
لكن هذا الصمود النظري والشعارات السياسية الرنانة لم تُترجم على أرض الواقع إلى استقرار أو تنمية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة.
ومع اشتعال الحرب الشاملة في السودان، تجلت الحقيقة المرة؛ إذ تقف «السلطة المدنية» التابعة للحركة عاجزة أمام الأزمة، فيما تتحدث قياداتها بنبرة يغلب عليها اليأس والتحذير من كارثة مجاعة حقيقية تهدد حياة أكثر من 10 ملايين مدني ونازح.
ويعكس هذا التوصيف الرسمي فجوة عميقة بين الخطاب السياسي المقاوم والواقع المعيشي المتردي؛ فالقائد الذي لم ينحنِ عسكريًا، يبدو عاجزًا عن توفير كسرة خبز أو جرعة دواء لأهله الذين وثقوا به.
تفاصيل المأساة.. الجوع والأوبئة
داخل المخيمات، لم تعد طلقات الرصاص هي التهديد الوحيد للحياة في جبل مرة، بل بات سوء التغذية الحاد والأوبئة من أكثر الأخطار فتكًا بالسكان.
فالحركة التي فرضت سيادة واسعة على مناطق نفوذها، وتحفظت طويلًا على كثير من أشكال التدخل الخارجي، تبحث اليوم عن طوق نجاة خارجي لإنقاذ المدنيين من تداعيات الأزمة الإنسانية.
ووصف الحركة لترك النازحين يواجهون الموت جوعًا بأنه «وصمة عار في جبين الإنسانية» هو توصيف دقيق لحجم الكارثة، لكنه في الوقت ذاته يضع قيادة الحركة أمام مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية تجاه هؤلاء المدنيين.
إن المشهد الحالي في جبل مرة يبعث برسالة واضحة: الشعارات السياسية لا تطعم الجياع، والتمسك بالمواقف المتصلبة، من دون امتلاك القدرة على حماية المدنيين وتأمين احتياجاتهم الأساسية، قد يتحول بمرور الوقت إلى إهمال غير مقصود ينتهي بكارثة.
ويبقى السؤال قائمًا: هل يراجع «مستر نو» استراتيجيته لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم سيظل جبل مرة ينزف بصمت حتى يتلاشى أهله جوعًا؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.