حِينَ يَنْهَارُ المَعْنَى

هشام محمد شريف

 فِي السُّودانِ يَتَجَلَّى الانهيار السياسي ثَمَرَةً مُرَّةً لِمَسَارٍ طَوِيلٍ انْقَطَعَتْ فِيهِ صِلَةُ السُّلْطَةِ بِالمَسْؤُولِيَّةِ وَالمَعْرِفَةِ بِالحَقِيقَةِ وَالمُواطَنَةِ بِالكَرَامَةِ. فَالأَخْلَاقُ فِي مَعْنَاهَا السِّيَاسِيِّ، نِظَامٌ عَامٌّ يَضْبِطُ شَهْوَةَ القُوَّةِ وَيَرْسُمُ حُدُودَ المُمْكِنِ وَالمَحْظُورِ وَيَضَعُ لِلحَقِّ حُرْمَةً تَتَقَدَّمُ عَلَى مَكَاسِبِ الغَلَبَةِ. وَعِنْدَمَا تَتَصَدَّعُ هَذِهِ المَنَاعَةُ يَتَحَوَّلُ الكَذِبُ إِلَى أَدَاةِ حُكْمٍ وَالفَسَادُ إِلَى مَهَارَةٍ لِلصُّعُودِ وَالعُنْفُ إِلَى لُغَةٍ مُعْتَادَةٍ لِإِدَارَةِ الاخْتِلَافِ.وَرِثَ السُّودَانُ دَوْلَةً تَشَكَّلَتْ جُغْرَافِيَّتُهَا السِّيَاسِيَّةُ عَلَى تَفَاوُتٍ عَمِيقٍ بَيْنَ مَرْكَزٍ يَحْتَكِرُ قَدْرًا أَوْفَرَ مِنَ المُؤَسَّسَاتِ وَالمَوَارِدِ، وَأَطْرَافٍ تُسْتَدْعَى عِنْدَ الحَرْبِ وَتُهْمَلُ عِنْدَ اقْتِسَامِ الثَّرْوَةِ وَتَوْزِيعِ الاعْتِرَافِ. وَعَبْرَ عُقُودٍ مُتَعَاقِبَةٍ عَجَزَتِ النُّخَبُ عَنْ تَحْوِيلِ التَّنَوُّعِ الإِقْلِيمِيِّ وَالثَّقَافِيِّ إِلَى عَقْدٍ وَطَنِيٍّ مُتَكَافِئٍ فَغَدَتِ الجُغْرَافِيَا حُكْمًا اجْتِمَاعِيًّا مُبَكِّرًا، وَأَصْبَحَ المِيلَادُ فِي إِقْلِيمٍ أَوْ قَبِيلَةٍ قَرِيبًا مِنْ حُكْمٍ مُسْبَقٍ عَلَى نَصِيبِ المَرْءِ مِنَ التَّعْلِيمِ وَالأَمْنِ وَالفُرَصِ. وَهُنَا يَتَحَوَّلُ التَّهْمِيشُ مِنْ خَسَارَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ إِلَى إِهَانَةٍ مُتَرَاكِمَةٍ لِمَعْنَى المُوَاطَنَةِ.فِي مِثْلِ هَذَا السِّيَاقِ، يَغْدُو التَّعْلِيمُ مِرْآةً لِاضْطِرَابِ الدَّوْلَةِ وَأَحَدَ مَيَادِينِ إِنْتَاجِهِ. فَالمَدْرَسَةُ الَّتِي تُكْثِرُ مِنَ التَّلْقِينِ، وَتُضَيِّقُ مَجَالَ السُّؤَالِ، وَتَرْبِطُ المَعْرِفَةَ بِرِضَا السُّلْطَةِ تُخَرِّجُ أَفْرَادًا سَرِيعِي الانْقِيَادِ أَمَامَ الشَّائِعَةِ وَالخِطَابِ التَّعْبَوِيِّ. وَقَدْ رَأَى أَفْلَاطُونُ أَنَّ تَرْبِيَةَ المَدِينَةِ تَرْسُمُ صُورَةَ نِظَامِهَا السِّيَاسِيِّ ثُمَّ جَاءَ بَاوْلُو فْرِيرِي لِيُبَيِّنَ أَنَّ التَّعْلِيمَ يَصْنَعُ الوَعْيَ بِقَدْرِ مَا يَكْشِفُ لِلإِنْسَانِ قُدْرَتَهُ عَلَى تَغْيِيرِ وَاقِعِهِ . وَحِينَ تَغْلِقُ الحَرْبُ المَدْرَسَةَ أَوْ تُحَوِّلُهَا إِلَى مَلْجَأٍ تَنْقَطِعُ حَلْقَةٌ أَسَاسِيَّةٌ فِي تَكْوِينِ الذَّاكِرَةِ المُشْتَرَكَةِ وَالحَيَاةِ العَامَّةِ.

وَتَظْهَرُ أَزْمَةُ الأَخْلَاقِ أَيْضًا فِي مِيزَانِ المُكَافَأَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ: مَنْ يَخْدِمُ العَامَّةَ يَتْعَبْ وَحْدَهُ وَمَنْ يَمْتَلِكُ صِلَةً بِمَرَاكِزِ النُّفُوذِ يَحْصُدِ الامْتِيَازَ. وَحِينَ يَرَى الطَّالِبُ أَنَّ الكَفَاءَةَ أَبْطَأُ مِنَ الوَلَاءِ فِي صُنْعِ المُسْتَقْبَلِ وَأَنَّ الصِّدْقَ يُكَلِّفُ صَاحِبَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُكَلِّفُ الكَذِبَ مُرْتَكِبَهُ تَتَحَوَّلُ القِيمُ إِلَى عِبَارَاتٍ احْتِفَالِيَّةٍ فَارِغَةٍ. هُنَا تَكْمُنُ وَظِيفَةُ المُعَلِّمِ وَالمَدْرَسَةِ: إِعَادَةُ الرَّبْطِ بَيْنَ المَعْرِفَةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ وَبَيْنَ الحُرِّيَّةِ وَالمُحَاسَبَةِ وَبَيْنَ النَّجَاحِ وَخِدْمَةِ المُجْتَمَعِ.

لِذَلِكَ يَسِيرُ الانْهِيارُ التَّعْلِيمِيُّ وَالتَّرَدِّي الأَخْلَاقِيُّ فِي دَائِرَةٍ مُغْلَقَةٍ: تَعْلِيمٌ مَهْزُوزٌ يَفْتَحُ الطَّرِيقَ أَمَامَ الوَلَاءِ الأَعْمَى وَبِيئَةٌ سِيَاسِيَّةٌ فَاسِدَةٌ تُعِيدُ إِنْتَاجَ تَعْلِيمٍ خَائِفٍ وَعَاجِزٍ. وَقَدْ زَادَتِ الحَرْبُ الرَّاهِنَةُ هَذِهِ الدَّائِرَةَ قَسْوَةً فَتَقُولُ اليُونِسْكُو إِنَّ نَحْوَ تِسْعَةَ عَشَرَ مِلْيُونَ طِفْلٍ حُرِمُوا مِنَ المَدْرَسَةِ وَأَنَّ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ المَبَانِي التَّعْلِيمِيَّةِ تَضَرَّرَ أَوْ تَحَوَّلَ إِلَى مَلَاذٍ لِلنَّازِحِينَ . وَمَعَ ذَلِكَ تَبْقَى الحَرْبُ كَاشِفَةً لِتَرَاكُمٍ أَقْدَمَ: سُوءِ إِدَارَةٍ وَإِفْقَارٍ لِلمَعْرِفَةِ وَاحْتِقَارٍ لِلكَفَاءَةِ، وَتَحْوِيلٍ الدَّوْلَةِ إِلَى غَنِيمَةٍ تَتَنَازَعُهَا جَمَاعَاتُ النُّفُوذِ.وَيَتَوَقَّفُ مُسَارُ المُسْتَقْبَلِ عَلَى قَرَارٍ تَارِيخِيٍّ: أَنَسْتَمِرُّ فِي تَوْرِيثِ أَجْيَالٍ تُجِيدُ النَّجَاةَ الفَرْدِيَّةَ وَتَجْهَلُ مَعْنَى المَجَالِ العَامِّ، أَمْ نَفْتَحُ طَرِيقًا آخَرَ يَبْدَأُ بِتَعْلِيمٍ عَادِلٍ بَيْنَ المَرْكَزِ وَالهَامِشِ وَمَنَاهِجَ تُنَمِّي العَقْلَ النَّاقِدَ وَمَدْرَسَةٍ تَحْمِي التَّنَوُّعَ وَتُؤَسِّسُ لِلمُواطَنَةِ؟ وَقَبْلَ أَنْ نُلْقِيَ العِبْءَ عَلَى شَعْبٍ أُرْهِقَتْ ذَاكِرَتُهُ

يَجْدُرُ أَنْ نَسْأَلَ السِّيَاسِيِّينَ: مَنْ جَعَلَ المَدْرَسَةَ هَامِشًا وَالجَهْلَ أَدَاةَ حُكْمٍ؟ وَنَسْأَلَ المُفَكِّرِينَ: مَتَى نَنْتَقِلُ مِنْ تَبْرِيرِ الانْتِمَاءَاتِ إِلَى نَقْدِ الذَّاتِ وَصِيَاغَةِ مَشْرُوعٍ يَتَّسِعُ لِاخْتِلَافِ السُّودَانِ؟ وَنَسْأَلُ الجَمِيعَ: أَيُّ وَطَنٍ سَيَبْقَى إِذَا تَعَلَّمَتْ أَجْيَالُنَا حَمْلَ السِّلَاحِ وَفَنَّ النَّجَاةِ! وَفَقَدَتْ مَعْنَى الحَقِيقَةِ وَحُرْمَةِ الإِنْسَانِ وَفَضِيلَةِ العَيْشِ مَعَ المُخْتَلِفِ؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.