انهيار اقتصادي متسارع.. حكومة بورتسودان.. الجنيه يتهاوى والأسواق تشتعل

مقال ـ تيسير المبارك

 

لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار السلع أو تراجع عابر في قيمة الجنيه، بل تحولت إلى ضغط يومي على الدولة والمواطن معاً. فبينما تستمر الحرب في استنزاف الموارد والإنتاج، تتسع الفجوة بين الأسعار والدخول، ويتراجع سعر العملة المحلية إلى مستويات قياسية، فيما تحاول حكومة بورتسودان إدارة اقتصاد مثقل بالإنفاق العسكري وتراجع الإيرادات واضطراب التجارة.

خلال الأسابيع الأخيرة، سجل الجنيه السوداني هبوطاً حاداً في السوق الموازي؛ إذ تجاوز الدولار حاجز 7,300 جنيه في أوائل سبتمبر، بعدما كان قد بلغ نحو 7,000 جنيه قبل ذلك بأيام. وارتبط ذلك بزيادة الطلب على العملات الأجنبية، ونقص المعروض، وارتفاع تكلفة الواردات.

ولم يتوقف أثر انهيار سعر الصرف عند أسواق العملات. فالدولار في السودان ليس رقماً في شاشات الصرافة؛ إنه يتحول سريعاً إلى أسعار للغذاء والدواء والوقود والنقل، لأن جزءاً كبيراً من حركة التجارة يعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على النقد الأجنبي. أمام هذا التدهور، لجأت الحكومة إلى سلسلة من الإجراءات المالية والنقدية والإدارية. وفي نهاية أغسطس، شكلت الحكومة خلية أزمة اقتصادية لمواجهة تراجع الجنيه، بينما عقدت وزارة المالية اجتماعات بشأن توسيع القاعدة الضريبية ومكافحة التهرب وتحسين تحصيل الإيرادات.

لكن المشكلة تبدو أعمق من قدرة إجراء إداري منفرد على معالجتها. فالحرب دمرت قطاعات إنتاجية واسعة، وأصابت البنية التحتية والتجارة والخدمات بالشلل. ويقدر البنك الدولي أن الناتج المحلي الحقيقي انكمش بنحو 29.4% في 2023 و14% في 2024، بينما تراجعت إيرادات الحكومة من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% خلال 2024-2025.

وهنا تكمن إحدى عقد الأزمة: حين ينكمش الإنتاج، وتتراجع الصادرات، ويزداد الطلب على الدولار، يصبح الضغط على العملة انعكاساً لأزمة الاقتصاد الحقيقي وليس مجرد مضاربة في سوق الصرف.

وأظهرت بيانات رسمية نقلتها مصادر سودانية أن معدل التضخم السنوي بلغ 51.28% في يونيو 2026، مقابل 44.50% في مايو، مع ارتفاعات واسعة في أسعار السلع الاستهلاكية.

وفي بورتسودان نفسها، تحدثت تقارير عن ارتفاع أسعار السلع والوقود والنقل، في وقت تواجه فيه المدينة ضغوطاً إضافية بسبب تدفق النازحين وتراجع قدرة الخدمات الأساسية. وقد أشار البنك الأفريقي للتنمية إلى أن إمدادات المياه في المدينة كانت تلبي أقل من 40% من الطلب، ما استدعى مشروعاً طارئاً لدعم خدمات المياه والصرف الصحي.

يعتمد الاقتصاد السوداني بدرجة كبيرة على الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب والزراعة. لكن استمرار الحرب أضعف قدرة الدولة على تحويل هذه الموارد إلى إيرادات مستقرة لخزينة الدولة.

ويشير البنك الأفريقي للتنمية إلى أن الاقتصاد السوداني ما زال يعاني من تضخم شديد، وانخفاض حاد في قيمة العملة، واختلالات مالية وخارجية، وضعف في القطاع المالي، إضافة إلى ضيق القاعدة الضريبية وتراكم المتأخرات الخارجية والدين.

وبالتالي، فإن امتلاك السودان لموارد طبيعية كبيرة لا يعني بالضرورة توفر سيولة حكومية كافية، خصوصاً في ظل الحرب واضطراب طرق التجارة وصعوبة السيطرة على حركة الموارد والأسواق.

الوقود يمثل حلقة أخرى في سلسلة الانهيار. فتعطل مصفاة الجيلي، التي كانت تلبي جزءاً كبيراً من الاستهلاك المحلي، جعل البلاد أكثر اعتماداً على الواردات، بينما أدى ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة استيراد الوقود ونقله وتوزيعه.

وفي يونيو الماضي، أُثيرت أزمة وقود واسعة دفعت المجلس السيادي إلى التدخل ومناقشة نقص الإمدادات، بالتزامن مع هبوط قياسي للعملة.

وهكذا تتحول العملة إلى وقود للأزمة: انخفاض الجنيه يرفع تكلفة الاستيراد، وارتفاع تكلفة الاستيراد يرفع أسعار السلع والوقود، وارتفاع الأسعار يقلل القوة الشرائية، وتراجع القوة الشرائية يضعف النشاط التجاري والإنتاجي.

المشكلة الأكبر أن الأزمة الاقتصادية لا تنفصل عن استمرار الحرب.

فبرنامج الأغذية العالمي أعلن هذا الأسبوع أن نحو 20 مليون سوداني يواجهون الجوع، فيما بلغ عدد النازحين بسبب الحرب نحو 14 مليون شخص، في وقت تراجعت فيه ميزانية البرنامج الخاصة بالسودان بصورة حادة.

كما حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من استمرار التأثير الكارثي للحرب والتدخلات الخارجية التي تمد أطراف النزاع بالسلاح، مؤكداً أن استمرار القتال يزيد معاناة المدنيين.

وهذا يعني أن الحكومة لا تواجه أزمة مالية منفردة، وإنما تدير اقتصاداً في حالة حرب: إنتاج متعطل، بنية تحتية مدمرة، ملايين النازحين، تجارة مضطربة، احتياجات إنسانية ضخمة، وعملة تفقد قيمتها بصورة متسارعة.

بين الوعود الرسمية وواقع الأسواق

تقدم السلطات أحياناً تقديرات أكثر تفاؤلاً بشأن النمو الاقتصادي. فقد توقعت وزارة المالية نمواً يصل إلى 9% خلال 2026، بينما أشار البنك الأفريقي للتنمية إلى توقعات أكثر تحفظاً، مع نمو مقدر بنحو 2.1% في 2026.

ولا يعني اختلاف التقديرات بالضرورة تناقضاً في البيانات بقدر ما يعكس اختلاف الافتراضات بشأن مسار الحرب والإنتاج وإعادة النشاط الاقتصادي.

لكن المواطن لا يقيس التعافي بمعدلات النمو وحدها؛ بل بسعر الخبز، وتكلفة المواصلات، وتوفر الوقود، وقدرته على دفع إيجار المنزل وشراء الدواء والغذاء.

السؤال الأصعب

المعضلة أمام حكومة بورتسودان ليست فقط كيف توقف ارتفاع الدولار؟ وإنما كيف تعيد بناء اقتصاد قادر على إنتاج السلع وتوفير العملات الأجنبية وتحقيق إيرادات منتظمة للدولة.

فحتى البنك الأفريقي للتنمية يؤكد أن الاستقرار الاقتصادي المستدام يحتاج إلى إصلاحات مالية ومؤسسية، وتحسين الإنتاجية، وإعادة بناء البنية التحتية، ومعالجة الاختلالات المالية والخارجية.

أما البنك الدولي فيضع السلام والاستقرار في قلب أي مسار جاد للتعافي الاقتصادي، إلى جانب إعادة بناء القطاعات الإنتاجية واستعادة الخدمات العامة ومعالجة أزمة الديون.

وفي النهاية، فإن استمرار الحرب يعني استمرار استنزاف الاقتصاد، بينما تتسع الفجوة بين الدولة ومواطنيها كلما فقد الجنيه قيمته وارتفعت الأسعار وتراجعت القدرة على تقديم الخدمات.

السودان لا يواجه مجرد أزمة أسعار.. بل أزمة اقتصاد كاملة.

والضغط المتزايد على حكومة بورتسودان أصبح اقتصادياً واجتماعياً بقدر ما هو سياسي؛ لأن المواطن الذي يفقد دخله قيمته، ويقف أمام محطة وقود أو سوق أو صيدلية عاجزاً عن شراء احتياجاته، لا تعنيه المؤشرات الرسمية بقدر ما يعنيه سؤال واحد: إلى متى يستطيع الاقتصاد السوداني الصمود تحت وطأة الحرب؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.