يقف السودان اليوم في قلب واحدة من أكبر المفارقات الجيوسياسية والاقتصادية في التاريخ الحديث؛ فهو ليس بلدًا فقيرًا، بل هو بلد غني يسكنه شعب أفقره عجز الإدارة واقتصاد الحرب.
إن امتلاك السودان لنحو 48% من أراضيه كأراضٍ صالحة للزراعة، وهيمنته على 80% من إنتاج الصمغ العربي العالمي، إلى جانب احتياطيات الذهب الهائلة، يضعه نظريًا في مصاف القوى المؤثرة.
ومع ذلك، يُصنَّف السودان في مؤشرات عام 2026 الدولية كأحد أكثر الشعوب معاناة، ليتأكد أن الثروة بلا حكم رشيد هي مجرد «قدرات مخزنة» لا تُطعم جائعًا.
لماذا تدهور الجنيه وانهارت المعيشة؟
إن التراجع الحاد للاقتصاد السوداني والانهيار القياسي لقيمة الجنيه السوداني أمام الدولار ليس نتاج صدفة، بل هو حصاد مرّ لعدة عوامل متداخلة.
اقتصاد الحرب والإنفاق العسكري: تلتهم النزاعات المسلحة المستمرة أكثر من 80% من موارد الدولة الموجّهة للمجهود الحربي، مما أدى إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية والمشاريع الإنتاجية، مثل «مشروع الجزيرة».
الاقتصاد الريعي والتهريب الممنهج: يعتمد الاقتصاد على تصدير المواد الخام دون قيمة مضافة، ويأتي الذهب في مقدمة الثروات التي يتم استنزافها عبر شبكات التهريب غير الرسمية، مما يحرم بنك السودان المركزي من الاحتياطيات النقدية اللازمة لدعم العملة الوطنية.
إذن، أين تكمن المشكلة: إنسان السودان أم القانون أم الحكام؟
المشكلة في السودان ليست في «الإنسان السوداني»، الذي أثبت كفاءته وعطاءه في كافة دول المهجر، بل تكمن في ثنائية «النظام الحاكم» و«غياب سيادة القانون».
أما الأشخاص الحاكمون، فقد تعاقبت على السودان عقليات إدارية مارست المحاصصة السياسية وبناء نفوذ ضيق على حساب التنمية الشاملة.
وعقدة القوانين تتمثل في أن القوانين في السودان إما معطلة بفعل السلاح، أو مصممة لحماية الاقتصاد الموازي «الرمادي».
يبقى السؤال الجوهري الذي يتردد في أذهان كل السودانيين: إلى متى تظل أرقام الثروات السودانية حبيسة التقارير الدولية القديمة، بينما الواقع المعيشي يزداد قسوة؟
وهل ستمتلك النخب السياسية والعسكرية الشجاعة الكافية لتقديم مصلحة الوطن، أم سيبقى السودان نموذجًا عالميًا لبلد «يسبح فوق بحيرة من الذهب ويموت شعبه جوعًا»؟
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.