الأسواق بين انهيار الجنيه وتجميد النشاط

تيسير المبارك

دخل الاقتصاد السوداني مرحلة شديدة الحساسية، بعدما تحول الانخفاض المتسارع في قيمة الجنيه إلى أزمة تضرب الأسواق والإنتاج والقدرة الشرائية في وقت واحد. ولم يعد ارتفاع الأسعار ظاهرة منفصلة عن انهيار سعر الصرف؛ فالتجار والمصانع يواجهون صعوبة متزايدة في تحديد تكلفة السلع وإعادة تمويل عملياتهم، بينما يجد المواطن نفسه أمام أسعار تتغير بوتيرة تفوق قدرته على التكيف.
لكن الأخطر من ارتفاع الأسعار هو أن حالة عدم اليقين بدأت تضرب آلية السوق نفسها. في ظل التذبذب الحاد للعملة، أصبح كثير من التجار غير قادرين على معرفة التكلفة الحقيقية للسلعة التي يبيعونها اليوم، فضلاً عن تكلفة استبدالها غداً.
وتشير تقارير ميدانية حديثة إلى أن عدداً كبيراً من المحال التجارية أوقف البيع مؤقتاً انتظاراً لاستقرار سعر الصرف، فيما أغلقت نسبة كبيرة من المتاجر في بعض المدن بسبب صعوبة تسعير البضائع. وذكرت «راديو تمازج» أن معظم المحال في عدد من الأسواق أغلقت وسط تقلبات العملة، بينما تحدثت «راديو دبنقا» عن إغلاق نحو ثلاثة أرباع المحال في الدويم، ونحو 90% من متاجر الجملة في أم درمان، إلى جانب إغلاق فروع لشركات دقيق وألبان في ولاية النيل الأبيض.
هذه التطورات تعني أن المشكلة لم تعد فقط في ارتفاع سعر السلعة، وإنما في احتمال اختفائها من السوق مؤقتاً.فعندما يعجز المصنع عن شراء المواد الخام، أو لا يعرف المنتج بسعر كم سيعيد شراء مدخلاته، يصبح وقف الإنتاج أو البيع قراراً دفاعياً لتجنب خسائر أكبر.
الأسواق تحتاج إلى قدر من الاستقرار حتى يستطيع المنتج تحديد التكلفة، والتاجر تحديد هامش الربح، والمستهلك معرفة قدرته الشرائية. لكن الانهيار المتسارع للجنيه كسر هذه الحلقة. ففي مطلع سبتمبر، وصل الدولار إلى نحو 7,000 جنيه في السوق الموازية، ثم تجاوز 7,300، قبل أن تتسارع التقلبات لاحقاً وتصل أسعار السوق في بعض التعاملات إلى أكثر من 8,000 جنيه، بينما سجلت تقارير أخرى مستويات تجاوزت 9,000 جنيه في ذروة الاضطراب خلال الشهر. وفي مثل هذه البيئة، يصبح التاجر أمام خيارين كلاهما صعب: إما البيع بالسعر الحالي والمخاطرة بعدم القدرة على شراء البضاعة من جديد، أو الاحتفاظ بالمخزون حتى تتضح اتجاهات العملة. وفي الحالتين يتضرر المستهلك.
انعكس اضطراب سوق الصرف سريعاً على الغذاء والسلع الأساسية. وأشارت تقارير ميدانية إلى ارتفاع أسعار السكر في أم درمان من نحو 350 ألف جنيه للجوال زنة 50 كيلوغراماً إلى 420 ألفاً، بينما وصل في ولاية النيل الأبيض إلى نحو 440 ألف جنيه. وفي القضارف، خرج مواطنون إلى الشوارع في سبتمبر احتجاجاً على ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتدهور الظروف المعيشية، في ظل استمرار تراجع القوة الشرائية. وهكذا ينتقل أثر أزمة العملة من شاشات الصرافين إلى مائدة الأسرة السودانية مباشرة.
لا يمكن فصل هذه الأزمة عن الحرب المستمرة منذ أبريل 2023. فالحرب أضعفت الإنتاج، ودمرت البنية التحتية، وعطلت طرق التجارة، وشتت الأسواق ومصادر الإيرادات، بينما أصبحت أجزاء مهمة من النشاط الاقتصادي مرتبطة بمناطق السيطرة المختلفة. وتشير رويترز إلى أن الانقسام الاقتصادي بين مناطق السيطرة أدى إلى فقدان الدولة إيرادات مهمة من قطاعات التصدير، بينما يجري توجيه جزء من الإنتاج في المناطق الخاضعة للجيش نحو الاحتياجات المرتبطة بالحرب بدلاً من المالية العامة.
حين تتوقف المصانع، لا يخسر الاقتصاد سلعة واحدة فقط. تتوقف سلسلة كاملة تبدأ بالعمال والمنتجين، وتمر بالنقل والتوزيع وتجار الجملة والتجزئة، وتنتهي بالمستهلك. وتعني زيادة تكلفة المواد الخام والطاقة والنقل والتمويل أن استمرار الإنتاج يصبح أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تكون العملة المحلية شديدة التقلب. لذلك فإن تجميد الإنتاج أو المبيعات، حيث يحدث، يمكن فهمه أيضاً بوصفه انعكاساً لحالة عدم اليقين التي تضرب النشاط الاقتصادي.
لكن استمرار هذه الحالة يخلق دائرة أكثر خطورة: انخفاض العملة → ارتفاع تكلفة المدخلات → ارتفاع الأسعار → تراجع الطلب → انخفاض الإنتاج → نقص المعروض → مزيد من ارتفاع الأسعار. وكلما طال أمد هذه الدورة، أصبحت العودة إلى الاستقرار أكثر تعقيداً.
من الخطأ اختزال المشهد في ارتفاع أرباح بعض التجار أو المضاربين. صحيح أن المضاربة والاحتكار قد يزيدان الضغوط في بعض الأسواق، لكن الأزمة الحالية أوسع من ذلك بكثير. إنها أزمة إنتاج، ونقد أجنبي، وتمويل، ونقل، وبنية تحتية، وإيرادات عامة، وثقة في العملة المحلية، إضافة إلى آثار الحرب والنزوح. وقد أظهر تقرير حديث للبنك الدولي أن الاقتصاد السوداني تعرض لانكماش شديد منذ بداية الحرب، مع استمرار آثار الصراع على الإنتاج والخدمات والأسواق.
في نهاية هذه السلسلة يقف المواطن. راتب ثابت أمام أسعار متحركة. مدخرات تفقد قيمتها. أسرة تعيد ترتيب وجباتها. تاجر صغير يخشى إعادة فتح متجره. ومصنع يواجه صعوبة في تأمين المواد الخام. ومع كل قفزة جديدة في سعر الدولار، تتقلص مساحة الحياة الطبيعية. الأزمة الاقتصادية السودانية لم تعد مجرد مؤشرات مالية يمكن انتظار تحسنها تلقائياً. إنها أزمة تمس قدرة المجتمع على الإنتاج والاستهلاك والاستمرار.
أي معالجة جادة للأزمة ستحتاج إلى أكثر من إجراءات مؤقتة لضبط الأسواق أو ملاحقة المضاربين. الاقتصاد يحتاج إلى استقرار في سعر الصرف، واستعادة الإنتاج، وإعادة تشغيل المصانع، وتأمين طرق التجارة، وتحسين تدفق السلع، وإصلاح النظام المالي، واستعادة الإيرادات العامة، والأهم توفير بيئة تسمح للقطاع الخاص بالعمل.
لكن هذه الإجراءات تظل محدودة ما لم تتراجع الحرب التي أصبحت العامل الأكثر تأثيراً في الاقتصاد السوداني. فالسوق لا يستطيع العمل بصورة طبيعية وسط القتال، والمصنع لا يستطيع الإنتاج في بيئة مدمرة، والمواطن لا يستطيع حماية دخله من التضخم إلى ما لا نهاية. الأزمة الاقتصادية دخلت بالفعل مرحلة حرجة؛ والسؤال لم يعد كم بلغ سعر الدولار، وإنما إلى أي مدى يمكن للاقتصاد السوداني أن يتحمل استمرار هذه الدائرة قبل أن تتحول أزمة الأسعار إلى أزمة إنتاج ومعيشة أشمل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.