شياطين الماضي وخروج أحمد هارون حين تعود العفاريت لرقصة الموت الأخير

أدم موسى عبدالله

 

ففي الموروث الشعبي تتحدث الأسطورة عن العفاريت التي تخرج من مغاراتها المظلمة حين تشتد ظلمة الليل وتعم الفوضى وتغيب سلطة القانون لا لتصلح ما أفسده الدهر بل لتستكمل دورة الدم والخراب الذي تركته أجيال الاستبداد المتعاقبة. وفي السياسة السودانية الراهنة لم يعد خروج هذه العفاريت مجرد استعارة بلاغية أو صورة فنية تُستخدم في سردية عابرة بل تحول إلى واقع ملموس ومفزع يمارسه علانية أقطاب نظام الثلاثين من يونيو وعلى رأسهم أحمد هارون ورموز منظومته المقبور سياسياً إن ظهور أحمد هارون وغيره من قيادات النظام البائد وهم يتحركون بحرية بين الولايات والقطاعات ويركبون موجة الحرب الدائرة ويطلقون التصريحات الشائكة والمستفزة ليس مجرد نشاط سياسي تقليدي لفلول خرجوا من السجون في غفلة من الزمان أو نتيجة لفوضى الطوارئ بل هو تجسيد حي وممنهج لاستدعاء الكوابيس القديمة وإعادة إنتاج الأزمات التي مزقت الوطن فالرجل المحاط بسلسلة طويلة من الاتهامات الثقيلة والواضحة من المحكمة الجنائية الدولية والمطلوب دولياً ومحلياً في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية شهدتها أرض دارفور المنكوبة يعود اليوم محاولاً صياغة وعي الشارع ولعب دور “المنقذ” المزعوم وكأن ذاكرة الشعب السوداني ثقب أعمى ينسى بدم بارد مآسي الماضي القريب والبعيد

وتكمن خطورة هذا الظهور العفريتي المتجدد في عدة أبعاد استراتيجية واجتماعية لا يمكن تغافلها أو التقليل من تداعياتها الخطيرة على مستقبل البلاد فمن جهة، تعود هذه الوجوه المقيتة بذات اللسان المؤدلج والمليء بالتعصب الذي قسّم البلاد وأشعل النعرات ودمر نسيجها الاجتماعي المتماسك عبر عقود من سياسة التمكين والإقصاء مراهنة اليوم على إشعال نار الحرب الأهلية الشاملة وتغذية الخطاب القبلي والمناطقي المتناقض جذرياً مع رابطة المواطنة المتساوية ومن جهة أخرى يسعى أحمد هارون ومن معه لاستغلال حالة السيولة الأمنية والتشظي السياسي الحاصل لإعادة إنتاج تنظيمهم البائد، وفرض أنفسهم كأمر واقع على المشهدين العسكري والسياسي متجاوزين دماء السودانيين الطاهرة وأشواقهم المشروعة في التحول المدني الديمقراطي. ويمثل هذا الظهور السافر تحدياً صارخاً وصفعة قوية في وجه العدالة الوطنية والدولية فالهروب المريب من السجون واستغلال مأساة الحرب المدمرة للاستعراض الإعلامي والسياسي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الجماعة لم تستوعب بعد درس الثورة الشعبية العظيمة ولا ترى في السودان سوى غنيمة سياسية أو ساحة خلفية لمغامراتها الرخيصة التي لا تهمها مصلحة المواطن فيها من قريب أو بعيد

إن التاريخ الإنساني والسياسي يؤكد مراراً وتكراراً أن العفاريت لا تظهر إلا في عتمة الظلام، ولا تقتات إلا على أشلاء الأزمات واستمرار المعاناة، وإن توهم أحمد هارون وإخوانه بأن غبار الحرب سيعيدهم إلى سدة الحكم أو يمنحهم صك براءة شعبياً مغسولاً بدماء الأبرياء هو مجرد سراب خادع ووهام يعيشون في ظله. فالشعب السوداني الأبي الذي خاض تجربة مريرة وقاسية لثلاثين عاماً من القهر والتنكيل يعلم جيداً وبوعي راسخ أن من كان سبباً أساسياً وجذرياً في هذه الكارثة التاريخية لا يمكن أبداً أن يكون جزءاً من الحل أو مخرجاً للبلاد من نفقها المظلم ومن هنا فإن الرد الحقيقي والعملي على خروج هذه العفاريت واستعراضاتها الوهمية لا يكون بالخوف أو التوجس أو الانشغال بمعاركها الجانبية المصطنعة التي تهدف لتشتيت الانتباه بل بالتمسك الصلب بوقف الحرب وبناء دولة المؤسسات وسيادة القانون التي تتسع لكل أبنائها دون تمييز وتضع كل من ارتكب جريمة أو خان الأمانة في حق هذا الشعب خلف الأسوار حيث مكانه الطبيعي والوحيد الذي يستحقه بعيداً عن أدران السلطة والقرار

 

أدم موسى عبدالله.. أمين اعلام جبهة النضال الشعبي السودان

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.