الجمعية العامة للأمم المتحدة تفتح أبوابها لكل قادة العالم، من رئيس الولايات المتحدة إلى رئيس أصغر جزيرة في المحيط الهادئ لا يعرف أحد مكانها. الجميع مرحب بهم، يمرون من البوابة الرئيسية، يلتقطون الصور ويلقون خطاباتهم، إلا البرهان.
الولايات المتحدة، بكل بساطة ومن دون حتى مجاملة دبلوماسية، امتنعت عن منحه تأشيرة الدخول. لا أهلاً ولا سهلاً. والسبب معروف.
لماذا؟ لأن الرجل عرقل كل شيء؛ عرقل التحول الديمقراطي، وانقلب على الوثيقة الدستورية، ولم يتعاون مع أي هيئة أممية، ورفض حتى مجرد فكرة السماح بهدنة إنسانية ووقف لإطلاق النار ضمن مساعي الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والإمارات ومصر والسعودية.
العالم كله يقول: أوقفوا الموت لأسبوع حتى تدخل المساعدات، وهو يقول: لا.
فكان الرد: أنت، يا سعادة الفريق، غير موافق؟ إذن ابقَ في بورتسودان وتابع اجتماعات الجمعية العامة عبر قناة الجزيرة مباشر مع المواطنين.
يا لها من مفارقة ساخرة وموجعة في الوقت نفسه! الرجل الذي خرج على التلفزيون قبل سنوات ببدلته العسكرية، يبشرنا بأننا عدنا إلى المجتمع الدولي، وأن عهد العزلة انتهى، وأن السودان عاد إلى حضن العالم، هو نفسه اليوم يعيدنا، بجدارة، إلى مربع «الرئيس الممنوع من السفر».
تذكرون أيام البشير والمحكمة الجنائية؟ عندما كان رئيسنا لا يستطيع النزول في مطارات العالم خوفاً من الاعتقال، وكنا نهرب به من جنوب أفريقيا في جنح الليل؟ كنا نظن أننا أغلقنا ذلك الباب إلى الأبد، ودفعنا ثمناً غالياً من دماء الشباب لنغلقه.
لكن البرهان قرر أن يفتحه مرة أخرى، وبقفل أمريكي هذه المرة؛ ليس قفل المحكمة الجنائية، بل قفل العزلة.
في نيويورك، يجلس العالم ويناقش أزمة السودان، باعتبارها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم: ملايين الجوعى والنازحين، ومدن مدمرة، وبلد ينهار تحت وطأة الحرب.
والكرسي المخصص للسودان فارغ، فارغ لأن من يجلس عليه في بورتسودان لم يتمكن من دخول القاعة.
لكنه ليس فارغاً تماماً، فقد جلس عليه حمدوك، وما وجده من قبول وحضور.
نعم، وفد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، يشرف نيويورك هذه الأيام في أوسع تحرك مدني منذ اندلاع الحرب.
الرجل الذي اتهمه أنصار الحرب بالهروب والعمالة والخيانة، وشتمته أبواق الفلول ليل نهار، هو اليوم من بين الأصوات المدنية التي تلتقي بمسؤولين أمريكيين وأوروبيين وتطرح رؤيتها لوقف الحرب.
حمدوك، الذي ترك القصر بهدوء، دخل نيويورك بهدوء، بينما البرهان، الذي دخل القصر بالدبابة، لم يستطع دخول نيويورك حتى بتأشيرة.
ما يحدث ليس مجرد بروتوكول دبلوماسي أو تأخير في الإجراءات؛ بل هو، في نظر كاتب المقال، شهادة وفاة سياسية.
عندما ترفض واشنطن منحك تأشيرة لحضور أهم محفل دولي يجتمع فيه قادة العالم، فهذا يعني أنك لم تعد، وفق هذا الطرح، طرفاً يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها، بل أصبحت جزءاً من المشكلة التي تسعى أطراف دولية إلى تجاوزها.
البرهان اليوم لا مكان له، وفق هذا التصور، بين القادة المدنيين المعترف بهم، لأنه انقلب عليهم، ولا بين العسكريين المحترمين، لأنه حوّل الجيش إلى قوة تحرس ميناء.
هو معزول في بورتسودان، مدينة على البحر لا بحر لها، يصدر البيانات ويستقبل مبعوثين ومديري منظمات، بينما خصومه السياسيون يتجولون في أروقة الأمم المتحدة، ويطرحون رؤيتهم لوقف الحرب وإعادة بناء الدولة.
هذه هي العزلة الدولية في أبهى وأوضح صورها. عدنا إلى الأسطوانة المشروخة نفسها التي سئمناها:
حكومة في الداخل لا يعترف بها أحد في الخارج، وجواز سفر دبلوماسي أحمر لا يفتح حتى بوابة مطار جون إف. كينيدي.
نيويورك هذا الأسبوع ليست قاعة خطابات؛ إنها مرآة كبيرة وُضعت أمامنا لنرى أنفسنا.
رأينا فيها بلداً واحداً يموت، وحكومتين؛ واحدة في الخرطوم تحارب، وأخرى في بورتسودان تتوهم أنها تحكم، وتحالفاً مدنياً يحاول أن يجد له مكاناً وسط هذا الخراب، وعالماً سئم من جنرال يعتقد أن الحرب يمكن أن تمنحه الشرعية.
الرسالة من نيويورك واضحة وقاسية، ولا تحتاج إلى مترجم: لا سلام مع من يرفض الهدنة الإنسانية، ولا مقعد لمن يصر على أن يحكم بالبندقية والجوع.
البرهان ممنوع من نيويورك اليوم، والسودان ممنوع من السلام، طالما بقيت العقلية نفسها التي تظن أن المنع انتصار، وأن العزلة سيادة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.