منطق الطير… حين يتجاوز الفهم حدود اللغة

دكتور الوليد آدم مادبو

 

ظلّ سؤال يلاحقني كلما قرأت قول الله تعالى على لسان سليمان عليه السلام: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾. لماذا قال «منطق الطير» ولم يقل «لغة الطير»؟ أهو مجرد اختلاف في اللفظ، أم أن بين اللغة والمنطق مسافةً تخفي وراءها معنى أعمق؟ ومن هذا السؤال تبدأ رحلة تتدرج من اللفظ إلى المعنى، ومن المعنى إلى عالم الكائن، ثم إلى سرّ الخلق نفسه.

ولعلّ الأجمل أن العلم الحديث، وهو يحاول اليوم فكّ شفرات أصوات الكائنات وسلوكها، لا يقدم جوابًا نهائيًا بقدر ما يضيف شاهدًا جديدًا على اتساع هذا العالم؛ فكلما ظننا أننا اقتربنا من فهمه، اكتشفنا أن ما نجهله أكبر مما نظن. وبين التفسير والفلسفة والتصوف والعلم، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام «لغة» للكائنات، أم أمام منطق أوسع لا نفهم منه إلا بعض الإشارات؟

في رحاب اللغة والتفسير

أول ما يلفت النظر أن كلمة «لغة» لم ترد في القرآن الكريم، بينما يستعمل القرآن، حين يتحدث عن النظام الذي يتواصل به قوم من الأقوام، كلمة «اللسان»، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾، وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. أما «منطق» فلم ترد في القرآن إلا في هذا الموضع الفريد، وكأنها ادّخرت لهذا السياق بالذات.

وأصل «المنطق» من «نَطَق»، أي أخرج كلامًا مفهومًا، وقد وسّع الزمخشري معناها لتشمل كل ما يُفصح به المرء، مفردًا كان أو مركبًا، مفيدًا أو غير مفيد. ومن هنا يصبح «المنطق» أوسع من مجرد امتلاك أصوات أو رموز؛ فهو فعل الإفصاح عن معنى.

ولعل هذا هو أول الخيط. فالطير لا يلزم أن تملك «لسانًا» بالمعنى الذي نعرفه نحن حتى يكون لها «منطق». يكفي أن يكون وراء صوتها أو حركتها معنى مقصود، ووراء ذلك المعنى عالم من الإدراك والحاجة والقصد.

ويشهد لسياق السورة نفسها أن النملة «قالت» محذّرة قومها، فتبسم سليمان ضاحكًا من قولها، لأنه أدرك ما فيه من خوف وحرص وإنصاف حين قالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ثم جاء الهدهد بخبر عن ملكة سبأ، فوصف مملكة وعرشًا وعبادة قومها، في ما يشبه تقريرًا استخباراتيًا مكتمل العناصر.

لم يكن سليمان يسمع أصواتًا ثم يترجمها إلى كلمات بشرية؛ لقد أدرك المقاصد الكامنة وراءها. فهم الخوف في كلام النملة، وفهم الخبر في كلام الهدهد. وهنا يبدأ الفرق بين أن تسمع صوتًا وأن تدرك منطقه.

من اللغة إلى المنطق

وهنا تأتي مفارقة جميلة. حين نقل المترجمون العرب الفلسفة اليونانية إلى العربية، واجهوا كلمة «لوغوس»، التي تحمل عند اليونان معاني الكلام والعقل والقول، فلم يجدوا لها مقابلًا أدق من «المنطق». ومن هنا عرّف الفلاسفة الإنسان بأنه «حيوان ناطق»؛ أي كائن يعقل، ثم يستطيع أن يفصح عما يعقل.

وعلى هذا يمكن أن يصبح «منطق الطير» أقرب إلى معنى أعمق من مجرد أصوات الطيور: إنه العالم الإدراكي الذي يصدر عنه الصوت، والطريقة التي يعبّر بها الكائن عن حاجته وخوفه وقصده، لا الصوت وحده.

وقد جاءت الفلسفة الحديثة، على اختلاف مدارسها، لتزيد المسألة تعقيدًا. ميّز فردينان دي سوسير بين «اللسان» بوصفه نظامًا عامًا من العلامات، و«الكلام» بوصفه فعلًا فرديًا يمارسه المتكلم، بما يلفت النظر إلى أن المعنى لا يسكن في الرمز وحده.

ثم ذهب لودفيغ فتغنشتاين أبعد من ذلك حين تساءل، في عبارته الشهيرة عن الأسد، عمّا إذا كنا سنفهمه لو استطاع الكلام. فالمشكلة ليست في سماع الكلمات، وإنما في معرفة عالم المتكلم وطريقة وجوده فيه.

وهنا يلتقي فتغنشتاين مع عالم الأحياء الألماني ياكوب فون أوكسكول، الذي رأى أن لكل كائن «عالمًا محيطًا» خاصًا به، يدركه بحواسه ويعيشه بطريقته. فالعالم الذي تراه النحلة ليس هو العالم الذي يراه الطائر، والعالم الذي يراه الطائر ليس بالضرورة العالم الذي يراه الإنسان.

ولذلك جاء سؤال الفيلسوف الأمريكي توماس ناغل: ما الذي يعنيه أن تكون خفاشًا؟ لم يكن السؤال عن شكل الخفاش أو عاداته، وإنما عن تجربته من الداخل. ماذا يعني أن يعيش الكائن العالم بحواسه وإدراكه الخاصين؟

وهنا نقترب من لبّ السؤال القديم: إذا كان لكل كائن عالمه، فهل يكفي أن نسمع صوته لكي نفهمه؟

يبدو أن الجواب هو النفي. معرفة الإشارة لا تعني بالضرورة معرفة صاحبها. وقد نستطيع فكّ رمز، دون أن نبلغ العالم الذي أنتج ذلك الرمز.

وهذا هو الحاجز الذي يكاد الفلاسفة يرونه عصيّ العبور: أن تدخل إلى عالم كائن آخر، لا أن تكتفي بمراقبته من الخارج. أما سليمان، فقد أُوتي من الله ما مكّنه من عبور هذا الحاجز، ولذلك لم يكن الأمر مجرد معرفة أصوات الطير، وإنما فضلًا مبينًا.

حين يصبح الكون كله ناطقًا

ولم ينفرد القرآن بالإشارة إلى هذه القدرة السليمانية. ففي التوراة، في سفر الملوك الأول، يُذكر أن سليمان تحدث عن البهائم والطير والدبيب والسمك، ثم توسع التراث المدراشي في رواياته عن الحيوانات وفهم سليمان لكلامها. وفي التراث المسيحي تُروى قصة القديس فرنسيس الأسيزي الذي كان يعظ الطيور فتصغي إليه، وكأن الضمير الديني، على اختلاف مشاربه، ظل يحلم بتلك اللحظة التي يسقط فيها الحاجز بين الإنسان وسائر الخلق.

أما التصوف الإسلامي فقد حمل «منطق الطير» إلى أفق أكثر رحابة. فكتب فريد الدين العطار ملحمته الخالدة «منطق الطير»، وجعل الطيور أرواحًا تسلك الأودية السبعة بحثًا عن ملكها «السيمرغ»، فإذا بها تكتشف في نهاية الرحلة أن ما كانت تبحث عنه كان قريبًا منها، بل كامنًا فيها.

وهنا تتحول الطيور من كائنات تتكلم إلى مرآة للإنسان نفسه. يصبح «منطق الطير» بابًا إلى فهم لغة الوجود، لا لغة الطيور وحدها. فالكائنات، في الرؤية القرآنية، ليست صمتًا محضًا؛ ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.

إنها عبارة تفتح أكثر مما تغلق. فالكون كله يسبّح، لكن الإنسان لا يفقه تسبيحه. ليس العجز إذن في غياب النطق، وإنما في حدود السامع.

ولعل هذه واحدة من أعمق الإشارات التي يحملها السؤال كله: ربما لم تكن المشكلة يومًا في أن الخلق لا يتكلم، وإنما في أننا لا نملك دائمًا القدرة على الإصغاء.

ماذا يقول العلم الحديث؟

فهل استطاع العلم الحديث أن يطرق هذا الباب؟

الجواب أنه قطع شوطًا بعيدًا في الطريق، لكنه لم يصل إلى نهايته. انتقل العلماء تدريجيًا من تسجيل أصوات الكائنات إلى محاولة فهم بنيتها ووظيفتها وسياقها.

كانت إحدى المحطات المهمة مع عالم الأحياء النمساوي كارل فون فريش، الذي درس «رقصة النحل» واكتشف أن النحلة حين تعود إلى الخلية تؤدي نمطًا من الحركة يحدد لأخواتها اتجاه مصدر الغذاء ومسافته. وقد حصل على جائزة نوبل عام 1973 تقديرًا لأبحاثه في سلوك الحيوان.

ثم جاءت أبحاث توشيتاكا سوزوكي على طائر القرقف الياباني، لتشير إلى أن الطيور لا تطلق نداءات منفردة فحسب، بل تستطيع تركيبها في ترتيبات مختلفة تحمل دلالات مختلفة. وهنا بدأ العلماء يرون في هذه التركيبات ما يشبه، من بعيد، فكرة «النحو»؛ أي أن ترتيب الإشارات نفسه قد يكون جزءًا من المعنى.

وفي أمريكا، درس كون سلوبودتشيكوف نداءات كلاب البراري، ووجد أن إشارات التحذير لا تقتصر على الإعلان عن وجود مفترس، بل يمكن أن تحمل معلومات عن بعض خصائصه.

واليوم يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال بقوة. فمشروعات مثل CETI تحاول تحليل نقرات حيتان العنبر، بينما تسعى مبادرات أخرى، مثل Earth Species Project، إلى بناء نماذج لفهم أنماط التواصل بين الكائنات.

كل ذلك يثير سؤالًا جديدًا: هل نحن أمام بداية اكتشاف «منطق الطير»؟

ربما، ولكن علينا أن نكون أكثر تواضعًا.

لقد أصبح العلم قادرًا على التعرف إلى إشارات مرتبطة بمواقف معينة: تحذير من خطر، دعوة إلى الطعام، نداء للتزاوج، أو غير ذلك. لكنه لم يصل بعد إلى حوار بالمعنى الذي نتصوره؛ لم يصل إلى أن يسأل الإنسان طائرًا سؤالًا، فيجيبه الطائر عن قصده، ثم يراجعه في حجته، كما فعل سليمان مع الهدهد.

والفارق هنا ليس صغيرًا. ففكّ الشفرة شيء، وفهم العالم الذي أنتج الشفرة شيء آخر.

حين يقود السؤال إلى التسبيح

ربما لهذا السبب ظل سؤال «منطق الطير» يراودني. ففي بدايته يبدو سؤالًا لغويًا بسيطًا: لماذا «المنطق» لا «اللغة»؟ ثم سرعان ما يتسع ليصبح سؤالًا عن معنى الفهم نفسه.

نحن نسمع، فنظن أننا فهمنا. نفك الرموز، فنظن أننا دخلنا إلى عالم صاحبها. لكن كل خطوة نقطعها في طريق المعرفة تكشف لنا أن وراء المعلوم مجهولًا آخر، وأن الكائن الذي حسبناه بسيطًا قد يحمل من التعقيد ما لا تسمح أدواتنا بإدراكه كاملًا.

ولعلّ العلم، في هذه الرحلة، لا يناقض الدهشة الدينية، بل يعيد الإنسان إليها من باب آخر. فكلما اكتشفنا نظامًا في رقصة نحلة، أو ترتيبًا في نداء طائر، أو بنية في نقرات حوت، ازددنا إدراكًا بأن الحياة ليست فوضى من الأصوات، وأن ما نسمعه عرضًا قد يكون بالنسبة إلى الكائن الآخر عالمًا كاملًا من المعاني.

وهنا يصبح السؤال نفسه نوعًا من العبادة الفكرية؛ لأنك كلما سألت بصدق، وجدت نفسك أمام نظام أدق مما توقعت، وحكمة أوسع من أدواتك، وخلق لا تنقضي عجائبه.

لقد سار الإنسان من الإصغاء إلى الأصوات، إلى تحليل بنيتها، إلى محاولة فهم دلالاتها، وربما سيمضي أبعد في المستقبل. لكن كلما تقدم خطوة، ينبغي ألا ينسى أن المعرفة لا تجعلنا آلهة، وإنما تكشف لنا مقدار ما لا نعرف.

ومن هنا يبدو «منطق الطير» أكبر من كونه معجزة لسليمان عليه السلام؛ إنه تذكير بمحدودية الإنسان أمام اتساع الخلق. فإذا كان سليمان قد أُوتي أن يفهم منطق الطير، فإننا نحن لا نزال نتعلم كيف نصغي.

ولذلك تبدو الآية في ختام هذه الرحلة أكثر عمقًا مما بدت في بدايتها: ﴿وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.

فسبحان من علّم سليمان منطق الطير، وفتح للإنسان بعض أبواب المعرفة، ثم ترك أمامه من أبواب الخلق ما يكفيه عمرًا كاملًا من الدهشة.

﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.