شبكة اللوبي المدفوع.. كيف يلمّع إخوان السودان صورتهم بواشنطن بالدولارات

تقرير ـ عين الحقيقة

في واشنطن، حيث لا تتحرك السياسة فقط عبر قاعات الكونغرس والبيت الأبيض، بل أيضاً عبر مكاتب العلاقات العامة وشركات الضغط وشبكات النفوذ، يعود اسم جانيت ماكليغوت إلى الواجهة من جديد، بوصفها واحدة من الشخصيات الأمريكية التي ارتبط اسمها بالسودان، لا سيما بالحركة الإسلامية، منذ سنوات نظام عمر البشير.

وظهور ماكليغوت إلى جانب مسؤولين سودانيين خلال تحركاتهم الدولية أعاد فتح سؤال قديم: هل تغيّرت أدوات السلطة السودانية في معركة تحسين صورتها في الولايات المتحدة، أم أن الوجوه والأساليب القديمة ما زالت تعمل ولكن بواجهة جديدة؟

القصة لا تبدأ من حرب أبريل 2023، ولا اليوم، حين صافحت السيدة «ماكليغوت» رئيس حركة تحرير السودان، مني أركو مناوي، المتحالف مع الحركة الإسلامية وقائد الجيش السوداني في حرب أبريل، خلال حضوره جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، بل تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما كانت حكومة البشير تواجه عزلة متزايدة في واشنطن وعقوبات أمريكية وضغوطاً سياسية بسبب سياساتها وعلاقاتها الإقليمية.

جانيت.. اسم قديم في ملف السودان

ماكليغوت ليست شخصية عابرة في العلاقة بين واشنطن والخرطوم. وبحسب سيرتها المهنية المنشورة، عملت في إدارة الرئيس جورج بوش الأب، ثم اتجهت إلى العمل في الاستشارات السياسية والدبلوماسية ومجالات مكافحة الإرهاب والتفاوض وحل النزاعات. كما تقول سيرتها إنها عملت لسنوات في ملفات مرتبطة بالسودان وشرق أفريقيا.

لكن العلاقة الأكثر إثارة للجدل تعود إلى عام 1997.

فبحسب تقرير نشرته صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» في ديسمبر 1998، تعاقدت السفارة السودانية في واشنطن مع ماكليغوت، التي كانت قد عملت سابقاً في البيت الأبيض، ضمن جهود الخرطوم للتأثير في النقاش السياسي الأمريكي حول السودان. وأشار التقرير إلى أن السفارة وضعتها على قائمة المتعاقدين معها، في سياق حملة أوسع استعانت خلالها الحكومة السودانية بعدد من الأمريكيين وشركات الضغط.

وتؤكد بيانات منشورة عن نشاط جماعات الضغط الأجنبية في الولايات المتحدة أن شركة McElligott Associates سُجلت في يناير 1997 بصفة وكيل للعميل الأجنبي مهدي إبراهيم محمد، سفير السودان آنذاك، مقابل 100 ألف دولار سنوياً، وكانت طبيعة العقد المعلنة تقديم المشورة الثقافية والمعلومات العامة.

وفي الفترة نفسها، أنفقت الحكومة السودانية مبالغ أخرى على شركات ضغط وشخصيات سياسية أمريكية. وذكرت «لوس أنجلوس تايمز» أن شركة النائب الأمريكي السابق ميرفين ديمالي حصلت على 100 ألف دولار مقابل جهود ضغط لصالح السودان، بينما تعاقدت السفارة أيضاً مع المحامي بروس فاين مقابل أتعاب شهرية بلغت في البداية 10 آلاف دولار.

هكذا كانت المعركة: حكومة تواجه عزلة سياسية، وميزانية تُخصص لتغيير الصورة في واشنطن.

من البشير إلى ما بعد الحرب

بعد أكثر من ربع قرن، تغيرت الخريطة السودانية، لكن واشنطن بقيت ساحة رئيسية للصراع على الرواية.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبحت معركة الصورة جزءاً أساسياً من الحرب نفسها. فكل طرف يحاول تقديم نفسه باعتباره المدافع عن الدولة والمدنيين والشرعية، بينما يسعى في الوقت ذاته إلى تحميل الطرف الآخر مسؤولية الانتهاكات والانهيار الإنساني.

وفي هذا السياق، ظهرت ماكليغوت بصورة أكثر حضوراً في النقاش العام حول السودان، عبر مقابلات إعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي ومداخلات تتناول الحرب والانتهاكات في دارفور.

وتقول سيرتها الحالية إنها أسست منظمة Sudan War Crimes، وتقدم نفسها بوصفها مدافعة عن ضحايا الحرب، خصوصاً المتضررين في دارفور، كما تحدثت في مقابلات حديثة عن الانتهاكات والنزوح والمجاعة ومعاناة المدنيين.

لكن حضورها يظل مثار جدل سياسي وإعلامي، خصوصاً بسبب تاريخها السابق مع الحكومة السودانية.

بين النشاط الإنساني والضغط السياسي

المشكلة هنا ليست في أن يعمل أمريكي أو منظمة أمريكية في الملف السوداني، ولا في أن تمتلك شخصية ما موقفاً سياسياً من الحرب.

السؤال الأكثر أهمية هو: من يمول النشاط؟ ولصالح من تتحرك الرسالة؟

فالقانون الأمريكي نفسه يفرض آليات للإفصاح عن العلاقات المدفوعة التي يعمل فيها أشخاص أو شركات لمصلحة حكومات أجنبية، وهو ما يجعل السجل التاريخي لعلاقة ماكليغوت بالحكومة السودانية مهماً لفهم طبيعة الدور الذي لعبته في تسعينيات القرن الماضي.

لكن تحويل هذا التاريخ إلى دليل تلقائي على وجود عقد مماثل في الوقت الراهن يحتاج إلى وثائق جديدة.

وحتى الآن، لا تكفي المعلومات المتداولة وحدها لإثبات الادعاء بأن ماكليغوت تتلقى حالياً آلاف الدولارات شهرياً من بعثة السودان لدى الأمم المتحدة أو من سفارة بورتسودان مقابل خدمات دعائية.

وهنا تحديداً تصبح الوثيقة أهم من الرواية.

واشنطن.. سوق مفتوح للروايات

ما حدث في التسعينيات يقدم درساً واضحاً: الحكومات المعزولة لا تخوض معاركها الخارجية بالبيانات الرسمية وحدها.

إنها تبحث عن محامين، وشركات ضغط، ومستشارين، وشخصيات لها أبواب مفتوحة داخل المؤسسات الأمريكية.

وفي حالة السودان، تظهر السجلات القديمة أن حكومة البشير حاولت بالفعل بناء شبكة من المتعاقدين الأمريكيين للتأثير على الكونغرس والإدارة ووسائل الإعلام ومراكز التفكير.

واليوم، مع استمرار الحرب، تبدو المعركة أكثر تعقيداً.

لم تعد القضية مجرد رفع العقوبات أو تحسين العلاقات الدبلوماسية، بل إعادة تعريف صورة الأطراف المتحاربة أمام المجتمع الدولي: من يمثل الدولة؟ من يتحمل مسؤولية الانتهاكات؟ ومن يمكن التعامل معه في أي تسوية سياسية مقبلة؟

ولهذا تصبح واشنطن هدفاً بالغ الأهمية لأي شبكة علاقات عامة سودانية.

المال لا يصنع الحقيقة

قد تستطيع شركات الضغط شراء مساحات من الوقت، وترتيب اللقاءات، وفتح الأبواب أمام المسؤولين، وصناعة روايات تصل إلى دوائر القرار.

لكنها لا تستطيع بالضرورة تغيير الوقائع على الأرض.

فالسجل التاريخي نفسه يوضح أن ملايين الدولارات التي أنفقتها حكومة البشير على تحسين علاقاتها في واشنطن لم تمنع استمرار العقوبات الأمريكية ولا تحول السودان إلى حليف لواشنطن.

وبحسب تقرير «لوس أنجلوس تايمز» آنذاك، كانت جهود الضغط السودانية تهدف إلى مواجهة الاتهامات المتعلقة بالإرهاب وحقوق الإنسان والسياسات الحكومية، لكنها لم تنجح في تغيير موقف إدارة كلينتون بصورة جوهرية.

وهنا تكمن المفارقة.

يمكن أن تتغير الوجوه، وتتبدل الحكومات، وتتسع شبكة العلاقات، لكن الحقيقة التي تحسم المعركة في النهاية ليست ما يُقال في مكاتب اللوبي بواشنطن، وإنما ما يحدث في السودان.

فإذا كانت حكومة بورتسودان تريد تغيير صورتها في العالم، فإن الطريق الأقصر ليس شراء صورة جديدة في العاصمة الأمريكية، بل تغيير الوقائع التي صنعت الصورة القديمة.

أما الحديث عن «لوبي مدفوع» جديد، فيحتاج إلى شيء واحد لا تستطيع العلاقات العامة توفيره: الدليل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.