اقتصاد الحرب يخنق السودانيين.. هل يقترب الشارع من انفجار جديد؟

تقرير: عين الحقيقة

تدخل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد واحدة من أكثر مراحلها حرجاً، مع تهاوي قيمة العملة الوطنية إلى مستويات تاريخية، متجاوزة حاجز 8 آلاف جنيه مقابل الدولار الأمريكي الواحد، في وقت تتسع فيه دائرة الغلاء وتتراجع القدرة الشرائية للمواطنين بصورة حادة.

وألقى هذا الانهيار المتسارع بظلاله الثقيلة على الأسواق، بينما أوقفت شركات ومصانع أنشطتها أو جمّدت عمليات البيع والإنتاج، ما أدخل قطاعات واسعة من السودانيين في دوامة من عدم اليقين، وسط مخاوف متزايدة من تفاقم الأزمة الغذائية وتآكل ما تبقى من مدخرات الأسر.

ولا تبدو الأزمة مجرد انعكاس لحرب مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، بل تكشف أيضاً عن أزمة أعمق في إدارة الاقتصاد وقدرة السلطة القائمة على حماية المواطنين من التداعيات اليومية لانهيار العملة وارتفاع الأسعار.

ومع اتساع نطاق المعاناة وتفشي الغلاء في عدد من الولايات، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: هل تتحول الضغوط الاقتصادية إلى شرارة انفجار اجتماعي جديد يعيد إلى الأذهان احتجاجات ديسمبر 2018؟ أم أن الحرب وتفكك المجتمع سيحولان دون تشكل حراك جماهيري واسع؟

وفي المقابل، يطرح تصاعد الاحتجاجات سؤالاً آخر حول جدوى المقاربة الأمنية التي تلجأ إليها السلطات في مواجهة الغضب الشعبي: هل تستطيع الإجراءات الأمنية معالجة أزمة اقتصادية تتغذى أساساً على انهيار الإنتاج، وتراجع الإيرادات، واضطراب التجارة وسوق الصرف؟

تحولت أزمة سعر الصرف من مجرد مؤشر اقتصادي إلى استنزاف يومي للقدرة الشرائية للمواطنين. وبينما يبحث المواطن عن الغذاء والدواء والوقود، تتسع مساحة المضاربة والاقتصاد غير الرسمي، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الاقتصاد الذي يعيشه المواطن والاقتصاد الذي تستفيد منه شبكات مرتبطة بالحرب.

المقارنة التاريخية: لماذا يختلف المشهد الراهن عن ديسمبر 2018؟

رغم التشابه الظاهري بين المرحلتين في بعض المؤشرات الاقتصادية، مثل ارتفاع الأسعار وشح السيولة وتراجع القدرة الشرائية، فإن إسقاط تجربة ديسمبر 2018 على الواقع الحالي يتجاهل اختلافاً جوهرياً: السودان الذي خرج إلى الشارع في 2018 كان يعيش أزمة اقتصادية داخل دولة قائمة، بينما يواجه السودانيون اليوم اقتصاداً ممزقاً بفعل حرب واسعة النطاق.

اقتصاد مأزوم مقابل اقتصاد حرب

اندلعت احتجاجات ديسمبر 2018 في ظل وجود دولة ومؤسسات تعمل، رغم أزمتها الاقتصادية والنقدية الحادة وسوء إدارتها.

أما اليوم، فقد أرهقت الحرب القطاعات الإنتاجية ودمرت أجزاء واسعة من البنية التحتية الصناعية والتجارية في العاصمة وعدد من الولايات، وأضعفت الصادرات ومصادر النقد الأجنبي، وأصابت حركة التجارة والاستثمار بالشلل، فضلاً عن النزوح الواسع للسكان واستنزاف مدخرات الأسر لتأمين الاحتياجات الأساسية.

لكن تحميل الحرب وحدها مسؤولية الانهيار الاقتصادي لا يعفي السلطات من مساءلة سياساتها الاقتصادية وقدرتها على إدارة ما تبقى من الموارد والأسواق. فالمواطن لا يتعامل مع الحرب بوصفها رقماً في تقرير اقتصادي، وإنما يواجه نتائجها يومياً في سعر الخبز والدواء والوقود والنقل.

تفكك الكتلة الحرجة والطبقة الوسطى

اعتمد حراك ديسمبر 2018 على وجود طبقة وسطى نشطة، وشبكات نقابية ومهنية وتنظيمات مدنية لعبت دوراً مهماً في تنظيم الاحتجاجات وحشد الشارع.

أما اليوم، فقد أدت الحرب والنزوح إلى تفكيك جزء كبير من هذه الكتل الاجتماعية وتشتيتها بين مناطق النزوح ودول الجوار، ما يجعل تشكيل حراك جماهيري واسع ومنظم وموحد أكثر تعقيداً.

تبدل أولويات الشارع

انتقلت الأولوية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المواطنين من المطالبة بالتحول الديمقراطي والحريات العامة إلى معركة يومية من أجل البقاء، تتمحور حول الأمن والغذاء والدواء والمأوى.

وهنا تكمن المفارقة: كلما تراجعت قدرة الدولة على توفير الاحتياجات الأساسية، أصبح الحديث عن الاستقرار أكثر انفصالاً عن الواقع الذي يعيشه المواطن.

الحلول الأمنية أمام أزمة لا تعالجها البنادق

مع تصاعد الغضب الشعبي وظهور احتجاجات متفرقة في بعض الولايات، بينها القضارف، على خلفية ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، اتجهت السلطات في بورتسودان إلى مقاربة أمنية أكثر تشدداً.

غير أن المشكلة الأساسية أن الأمن يستطيع ضبط الشارع مؤقتاً، لكنه لا يستطيع ضبط سعر الدولار، ولا إعادة تشغيل مصنع متوقف، ولا زيادة الإنتاج الزراعي، ولا توفير الدواء في الصيدليات.

وبالتالي، فإن التعامل مع الاحتجاجات بوصفها مشكلة أمنية فقط قد يؤدي إلى معالجة العرض وترك المرض الأساسي دون علاج.

المقاربة الأمنية لا تصنع اقتصاداً

يمكن للأجهزة الأمنية احتواء تظاهرة أو توقيف محتجين، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة التضخم أو توفير النقد الأجنبي أو إعادة بناء القطاعات الإنتاجية.

ومع استمرار اضطراب سوق الصرف وتراجع الإنتاج والصادرات، يصبح التعافي الاقتصادي مرتبطاً بعودة النشاط الإنتاجي والتجاري، واستعادة الثقة في النظام المالي، وتحسين تدفقات النقد الأجنبي.

وهذه أهداف اقتصادية وسياسية تتطلب سياسات واضحة، لا مجرد إجراءات أمنية.

من يدفع ثمن الانهيار؟

السؤال الأكثر إلحاحاً ليس فقط: لماذا انهارت العملة؟ بل من يدفع ثمن هذا الانهيار؟

المواطن هو الطرف الذي يدفع الفاتورة بصورة مباشرة؛ راتبه يفقد قيمته، ومدخراته تتآكل، وتكلفة الغذاء ترتفع، بينما تتراجع قدرته على الحصول على العلاج والتعليم والسكن والنقل.

وفي المقابل، تستفيد شبكات المضاربة وتجار الحرب من حالة الفوضى الاقتصادية والأمنية، عبر أنشطة مرتبطة بالسلع الأساسية والوقود والعملات الأجنبية وغيرها من الأسواق.

ومن هنا، فإن أي حديث عن مكافحة الغلاء لا يكتمل من دون مواجهة شبكات المضاربة والتهريب والاقتصاد غير الرسمي، ومساءلة الجهات المستفيدة من استمرار هذه البيئة.

حكومة أمام اختبار الاقتصاد لا البيانات

تواجه الحكومة في بورتسودان اختباراً يتجاوز البيانات الرسمية والقرارات الإدارية. فالمواطن يقيس أداء السلطة بما يستطيع شراءه من دخله، وبمدى توفر الغذاء والدواء والوقود والخدمات الأساسية.

وفي ظل الانهيار المستمر للقدرة الشرائية، يصبح إصدار القرارات الاقتصادية دون نتائج ملموسة على الأسواق عاملاً إضافياً في اتساع فجوة الثقة بين المواطن والسلطة.

كما أن استمرار تراجع الإيرادات العامة وتقلص النشاط الاقتصادي يضع الحكومة أمام معادلة شديدة التعقيد: تمويل أجهزة الدولة، وإدارة الحرب، وتوفير الخدمات، ودعم الأسواق، في وقت تتقلص فيه الموارد المتاحة.

فالقبضة الأمنية قد تتمكن من إخلاء الشوارع من المحتجين، لكنها لا تستطيع وحدها ضخ النقد الأجنبي في السوق، ولا إعادة تشغيل المصانع، ولا توفير السلع الأساسية للمخابز والصيدليات.

اقتصاد الحرب.. من يدفع فاتورته؟

تستفيد شبكات المضاربة وتجار الحرب من الفوضى الاقتصادية والأمنية، في وقت يتحمل فيه المواطن العادي القسم الأكبر من تكلفة الانهيار.

وتظل الإجراءات الأمنية الانتقائية محدودة الأثر ما لم تترافق مع معالجة مصادر التمويل ومسارات التجارة غير الرسمية وشبكات التهريب والمضاربة، إضافة إلى استعادة النشاط الإنتاجي والتجاري.

فالمشكلة ليست فقط في ارتفاع الدولار، وإنما في اقتصاد كامل فقد جزءاً كبيراً من قدرته على الإنتاج، وفي منظومة مالية وتجارية تعمل تحت ضغط الحرب والانقسام وتراجع الثقة.

سيناريوهات المشهد المستقبلي: انفجار أم إنهاك؟

في ظل استمرار الحرب والضغوط الاقتصادية والإنسانية، يبرز مساران محتملان للمشهد، دون أن يعني ذلك أن التطورات ستسير بالضرورة وفق أحدهما بصورة كاملة.

السيناريو الأول: احتجاجات الجوع وتعمق الفوضى

قد يؤدي استمرار الاستنزاف الاقتصادي وتدهور القدرة الشرائية، إلى جانب التضييق على الاحتجاجات، إلى اندلاع احتجاجات محلية وعفوية وغير منظمة، تعبر بصورة أساسية عن العجز عن تأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية، أكثر من تعبيرها عن مشروع سياسي موحد.

وفي حال اتساع هذه الاحتجاجات وتزامنها مع هشاشة الوضع الأمني، فقد تتزايد مخاطر الانفلات وعدم الاستقرار في عدد من المناطق.

السيناريو الثاني: الإنهاك الشامل والجمود

أما المسار الآخر، فيتمثل في استمرار تآكل القدرة الشرائية وانكماش النشاط الاقتصادي، مع اعتماد متزايد على شبكات التكافل الاجتماعي والمساعدات الإنسانية المحدودة.

وقد يقود استمرار هذا الوضع إلى إنهاك مجتمعي واسع، تتراجع معه قدرة المواطنين على الاحتجاج المنظم بقدر ما تتراجع قدرتهم على توفير احتياجاتهم الأساسية.

الأزمة أكبر من سعر الدولار

المشكلة السودانية لم تعد مجرد أزمة سعر صرف أو ارتفاع في أسعار السلع، وإنما أزمة اقتصاد كامل يعمل تحت وطأة الحرب، ودولة تواجه تراجعاً في الموارد والقدرة الإنتاجية، ومجتمع يدفع بصورة مباشرة ثمن الانهيار.

ولهذا، فإن محاولة اختزال الأزمة في المضاربين أو في الاحتجاجات أو في الإجراءات الأمنية وحدها قد تؤدي إلى تجاهل جوهر المشكلة.

فكل يوم تستمر فيه الحرب يتسع الاقتصاد الموازي، وتتآكل القدرة الشرائية، وتزداد كلفة إعادة بناء الدولة.

وبينما كانت ثورة ديسمبر 2018 قد خرجت من رحم أزمة اقتصادية داخل دولة قائمة، فإن الأزمة الحالية تجري في بيئة أكثر تعقيداً: حرب، ونزوح، وانقسام مؤسسي، وانهيار إنتاجي، وتراجع في الموارد.

لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل سيخرج السودانيون إلى الشارع؟

بل: إلى أي مدى تستطيع الدولة إدارة اقتصاد الحرب قبل أن يتحول الانهيار الاقتصادي من أزمة معيشية إلى أزمة اجتماعية وسياسية أوسع؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.