يا لها من ورطة!
البرهان يريد نيويورك.
ونيويورك تقول: على مهلك!
فقامت بورتسودان كلها على رجلٍ واحدة.
الخارجية تجري.
المندوب يحتج.
السفارة تشرح.
والجماعة يشكون لطوب الأرض!
كل هذه الثورة الدبلوماسية لأن الجنرال يريد أن يدخل قاعة الأمم المتحدة!
يا سبحان الله!
بالأمس كانوا يقولون:
لا يعنينا الخارج!
واليوم:
يا خارج، أدخلنا!
بالأمس:
السودان دولة ذات سيادة!
واليوم:
يا أمم متحدة، ساعدينا!
بالأمس كانت الوساطة الأجنبية مؤامرة.
واليوم يريدون لها أن تكون واسطة.
فرقٌ بسيط بين المؤامرة والواسطة.
المؤامرة لا تدخل البرهان.
أما الواسطة، فربما تفعل!
والأطرف أن وفد المدنيين ظل يطارد السلام حتى حفيت قدماه.
ذهب إلى نيويورك.
لم يحمل معه بندقية.
ولا رتبة.
ولا موكبًا.
حمل ملفًا فيه وقف الحرب، والسلام، وعودة الحكم المدني.
فاستُقبل باحترام.
جلس.
وتحدث.
واستمعوا إليه.
يا للمصيبة!
“القحاطة” وجدوا بابًا مفتوحًا!
أما جماعة بورتسودان فقد وجدوا بابًا يحتاج إلى ألف خطاب!
هؤلاء ذهبوا يبحثون عن نهاية الحرب.
وأولئك يركضون بحثًا عن بداية خطاب في نيويورك.
يا له من فرق!
وفدٌ يبحث عن إنقاذ السودان.
ووفدٌ يبحث عن إنقاذ صورة السلطة في شخص البرهان.
الأول يريد إيقاف المدافع.
والثاني يريد تشغيل الميكروفون.
ثم يغضبون لأن الميكروفون لم يفتح!
يا قوم!
الميكروفون ليس هو السودان.
والمنصة ليست شرعية.
والبدلة ليست دستورًا.
والرتبة ليست تفويضًا شعبيًا.
والبندقية لا تتحول إلى صندوق اقتراع مهما ارتدت من ربطة عنق.
ثم جاءت واشنطن وقالت ما أوجعهم.
لا الجيش ولا الدعم السريع يمثلان حكمًا دستوريًا شرعيًا للسودان، والمسار المطلوب هو مسار الحكم المدني.
هنا سقطت الحكاية كلها.
فالمشكلة لم تكن في كرسي نيويورك.
المشكلة في كرسي الشرعية.
وهذا الكرسي لا تمنحه الجمعية العامة.
ولا مجلس الأمن.
ولا السفارات.
ولا المؤتمرات.
يعطيه الشعب الذي لن تخدعه وهمات الكركدي والعرديب واللقيمات.
وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة.
لأنهم يريدون نيويورك قبل أن يسألوا الخرطوم.
يريدون اعتراف العالم قبل أن يسمعوا صوت المواطن.
يريدون أن يقولوا: نحن السودان!
فيقول السودان:
وأنا منو؟
يا جماعة بورتسودان!
خففوا الجري.
فقد أتعبتم الخارجية.
وأرهقتم السفارات.
وأدخلتم الأمم المتحدة في حرجٍ لا داعي له.
اتركوا نيويورك قليلًا.
ابقوا في السودان.
افتحوا المدارس.
أوقفوا الحرب.
أعيدوا المدنيين.
أعيدوا الدولة.
ثم تعالوا.
أما أنتم فتريدون دخول نيويورك والسودان نفسه يبحث عن باب للخروج من الحرب!
هذه هي النكتة.
بل هذه هي الكارثة التي صارت تضحك من شدة البكاء.
فالوفد الذي جاء يبحث عن السلام وجد استقبالًا.
والسلطة التي جاءت تبحث عن المنصة وجدت السؤال:
ومن قال إنك تمثل السودان؟
وهنا بيت القصيد.
ليس السؤال:
كيف ندخل البرهان نيويورك؟
السؤال:
متى يخرج السودان من قبضة الذين جعلوا دخول الجنرال إلى نيويورك أهم من خروج المواطن من الحرب؟
والخاتمة أبسط من كل بيانات الخارجية:
إذا كان البرهان يحتاج إلى نيويورك ليقول إنه يمثل السودان، فليذهب السودان أولًا إلى نيويورك ليقول: نحن نريد وطنًا لا يحتاج إلى جنرال كي يتحدث باسمه.
“يخسي” عليك يا البرهان، “تستكتر” على شعبك هدنة تسعين يوما!؟ “ضوق” البل دا..
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.