تتجلى في لحظات التحولات السياسية الحرجة مفترقات طرق حاسمة تفصل بين الرؤية العقلانية المتبصرة وبين السلوكيات الانفعالية الشعبوية التي طالما أوردت البلدان موارد الهلاك، وهو تماماً ما ينطبق على المشهد السوداني الراهن عقب القرارات الأمريكية الأخيرة. يبرز موقف القيادي بالكتلة الديمقراطية مبارك أردول كنقطة ضوء عقلانية في عتمة الخطاب الحماسي المحتقن، حيث قدم نصيحة سياسية تعكس دراية عميقة بأبجديات العلاقات الدولية، متجاوزاً منطق الصدام والمراهقة السياسية. يرى أردول أن تغليب منطق الحوار المباشر وتهدئة اللعب مع الإدارة الأمريكية يمثلان المخرج الأوحد لحماية المصالح الوطنية، مبرهناً على أن السياسة الخارجية للدول لا تُبنى على الشعارات العاطفية ولا على تسجيل النقاط الإعلامية الرخيصة، بل تتطلب قدراً عالياً من الصبر الاستراتيجي والدبلوماسية الهادئة التي تبقي على القنوات مفتوحة مهما بلغت حدة الخلافات.
يقابل هذه الرؤية المتزنة سقوط مريع للتيارات الإسلاموية في الفخ التقليدي القائم على التجييش ومحاولة استغلال منابر المساجد لتحشيد الشارع في مظاهرات ذات طابع متطرف يضر البلاد أكثر مما يفيدها. إن لجوء هذه الجماعات إلى الخطاب الانفعالي والتجييش الديني لمواجهة القرارات الدولية يعكس حالة من العجز الفكري والهروب إلى الأمام، فضلاً عن كونه يعيد إنتاج ذات الأدوات والأساليب الرعناء التي أدت بالبلاد إلى العزلة الدولية لعقود طويلة. إن تحويل المساجد إلى ساحات للمواجهة الإعلامية والدبلوماسية وسيلة عاجزة للتعامل مع معطيات السياسة الدولية الحديثة، إذ ينم هذا النهج المتطرف عن سوء تقدير متكرر للواقع ولطبيعة موازين القوى في العالم.
تكتسب نصيحة أردول أهميتها الاستثنائية من كونها تقطع الطريق أمام هذا العبث الذي يسعى لتحويل الخلافات السياسية والدبلوماسية إلى معارك عقائدية صفرية. إن الدعوة إلى تجنب التصعيد والتمسك بالمصالح المتبادلة والاحترام المتبادل تشكل المرتكز الحقيقي لبناء سياسة خارجية سودانية رشيدة تستطيع الصمود أمام العواصف. فالتعامل الهادئ وتغليب الحكمة يتيحان للدولة إدارة أزماتها بعيداً عن ضغوط الشارع المحتقن والمزايدات السياسية، في حين يؤدي الانجرار خلف دعوات التظاهر والتطرف الإسلامي إلى غلق أبواب الحوار وتعميق العزلة وتفريغ موقف الدولة السودانية من أي محتوى عقلاني يمكن أن يُبنى عليه للوصول إلى تفاهمات تخدم السلام والاستقرار وتصون حقوق الشعب.
في النهاية، يضع هذا التباين الشارع السوداني والنخب السياسية أمام اختبار الحقيقة، بين السير خلف نصيحة أردول الداعية إلى الحكمة والتعاطي الواقعي مع واشنطن لحماية مقدرات البلاد، وبين الانسياق خلف هستيريا الإسلاميين التي لا تجيد سوى الصراخ وتأجيج مشاعر التطرف على حساب مستقبل أمة بأكملها. إن الحفاظ على المصالح الوطنية العليا يتطلب الجرأة في اتخاذ الموقف العقلاني ونبذ كل أشكال التصعيد التي تجعل من قضايا السودان المصيرية مجرد وقود للمعارك الإيديولوجية الفاشلة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.