فشل مُهين لمليونية تأشيرة البرهان….وواشنطن تحاصر العبث!! هل حان وقت البحث عن جنرال بديل؟

علاء خيراوي

■ أعاد الإسلاميون وحلفاؤهم، بعد صلاة الجمعة، تشغيل الشريط القديم نفسه؛ دعوات للمساجد، شعارات عن السيادة والكرامة الوطنية، وتحشيد باسم الجيش في محاولة لتحويل الضغط الأميركي على البرهان إلى معركة بين السودان وأمريكا. الدعوة خرجت تحت شعارات مثل “لا للمساومة على السودان” و”البرهان رئيساً شرعياً”، وسُمّيت “مليونية الإرادة السودانية”، بل سبقها خطاب يعد بحشود “تسد أشعة شمس سبتمبر”. لكن الصور والمقاطع المتداولة بعد الصلاة لم تُظهر ما يقترب من هذا الوصف. واللافت أن الحشد، رغم الضجيج الذي سبقه، لم يفرض نفسه حتى الآن على أجندة وكالات الأنباء الدولية الكبرى؛ وهي قرينة مهمة على أن ما جرى ظل أدنى بكثير من الصورة التي حاول منظموه تسويقها. فالمشهد المتاح لا يثبت “مليونية”، بقدر ما يكشف اتساع الهوة بين ماكينة التعبئة وحقيقة الاستجابة في الشارع.
■ والمشهد كله يعيد إلى الذاكرة سنوات البشير؛ كلما اشتد الضغط الخارجي استُدعيت “المؤامرة الدولية”، ورُفعت رايات السيادة، وحُشد الناس بعد الصلاة لتبدو الأزمة وكأنها صراع بين الوطن وأعدائه. واليوم يُعاد الأسلوب نفسه؛ يُقدَّم الضغط على البرهان كأنه اعتداء على السودان، بينما الموقف الأميركي المعلن يتعلق بوقف الحرب، والقبول بهدنة إنسانية، والانخراط في مسار سياسي يقود إلى حكم مدني، مع رفض منح طرفي الحرب أو قائديهما شرعية دستورية لمجرد امتلاك السلاح. الكيزان لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً. ما زالوا يراهنون على الهتاف لصناعة الشرعية، ويخلطون عمداً بين الجيش كمؤسسة وطنية وبين البرهان كقائد سياسي وعسكري يمكن نقده ورفض بقائه في السلطة. وما زالوا يتصورون أن رفع شعار العداء لأمريكا قادر على حجب الأسئلة التي باتت أثقل من كل الدعاية؛ لماذا تستمر الحرب؟ لماذا تُرفض الهدنة؟ لماذا انهار الاقتصاد؟ ولماذا يُراد للسودانيين أن يمنحوا تفويضاً مفتوحاً لمن يحكمونهم بقوة السلاح؟
■ وحتى اختيار يوم الجمعة نفسه يكشف مأزق التحشيد أكثر مما يخفيه؛ فالاستفادة من تجمعات المصلين الخارجة أصلاً من المساجد لمنح تظاهرة سياسية زخماً إضافياً لا تصنع قاعدة جماهيرية حقيقية. وسيحاول الكيزان، ومعهم ميديا العبث التابعة لهم، تضخيم الصور، وانتقاء الزوايا، وتدوير المقاطع، ثم تقديم المشهد باعتباره “مليونية هادرة”. لكن الإعلام يستطيع أن يصنع انطباعاً مؤقتاً، ولا يستطيع أن يصنع تفويضاً شعبياً من فراغ. والأهم أن هذا الحشد جاء دفاعاً عن رجل تضغط عليه واشنطن للقبول بوقف الحرب والانتقال إلى مسار مدني. وهنا تظهر مأساة المشروع الإسلامي نفسه؛ فهم لا يدافعون عن البرهان لأنه صار مشروعهم الواعد للعودة، بل لأن سقوطه السياسي سيغلق واحدة من آخر البوابات التي راهنوا عليها للعودة إلى الحكم عبر المؤسسة العسكرية. ومع تضييق واشنطن لهامش المناورة، وتآكل قدرة البرهان على تقديم نفسه بوصفه صاحب شرعية مستقرة، يصبح السؤال داخل معسكرهم أكثر إلحاحاً؛ ماذا بقي لهم إذا سقطت الورقة التي علقوا عليها كل هذا الرهان؟ ولذلك فإن فشل الحشد أكبر من فشل مظاهرة؛ إنه علامة على إنهاك أداة سياسية كاملة. فالبرهان الذي أرادوه جسراً للعودة أصبح اليوم أقرب إلى كارت محروق؛ استُهلك في الحرب، وتآكلت قدرته على المناورة، وارتفعت كلفته داخلياً وخارجياً. وقد تنجح ميديا الكيزان في صناعة صورة أكبر من الحقيقة لساعات أو أيام، لكنها لن تغيّر حقيقة أبسط وأقسى؛ من كان يُراد له أن يكون بوابة عودتهم إلى الحكم صار هو نفسه واحداً من أكبر أعبائهم، والجسر الذي بنوه فوقه قد ينهار قبل أن يعبروا عليه.
■ ما جرى في ملف التأشيرة يعتبر مجرد بداية، لا نهاية الأزمة. فإذا استمرت واشنطن في ربط التعامل السياسي مع البرهان بقبوله وقف الحرب والانخراط في مسار مدني، فمن المرجح أن ينتقل الضغط من الرمزية الدبلوماسية إلى أدوات أكثر كلفة؛ مزيد من العزلة، تضييق في الحركة والاتصالات، عقوبات محتملة على شخصيات وشبكات تعرقل الهدنة، وضغط أكبر على حلفائه الإقليميين. وفي المقابل، سيحاول معسكر البرهان تحويل القضية إلى معركة سيادة واستدرار تعاطف داخلي، كما فعل في “مليونية التأشيرة”. لكن أخطر ما كشفته القضية أن واشنطن باتت مستعدة لاستخدام أدوات مباشرة للضغط عليه، وأن الرجل الذي كان يدخل نيويورك ممثلاً للسودان وجد نفسه هذه المرة خارج القاعة نفسها. وإذا استمر هذا المسار، فقد تصبح أزمة التأشيرة أول علامة واضحة على انتقال البرهان من شريك تتفاوض معه واشنطن إلى عبء سياسي تسعى إلى تجاوز دوره في ترتيبات ما بعد الحرب.

■ ويفتح هذا الفشل أيضاً باباً آخر داخل معسكر الإسلاميين نفسه؛ فإذا لم يستفد البرهان من هذه الضربة، ولم يقرأ جيداً معنى تجريده المتزايد من الشرعية السياسية من جانب الولايات المتحدة، العضو الأثقل في الرباعية، فقد يبدأ الكيزان في البحث عن قيادة عسكرية أخرى أقل استهلاكاً وأقل كلفة، وربما شخصية غير مطروقة جماهيرياً بعد، يعيدون تقديمها باعتبارها “وجهاً جديداً” لمشروع قديم. فالإسلاميون، تاريخياً، لا يتعلقون بالأشخاص بقدر تعلقهم بأداة العودة إلى السلطة؛ وإذا أصبح البرهان عبئاً على هذه العودة، فلن يكون مستبعداً أن يتحول من ورقتهم الأخيرة إلى ورقة يجري التخلص منها. ولهذا فإن فشل المظاهرات لم يكشف فقط ضعف الحشد، بل ربما كشف أيضاً بداية السؤال الذي سيطاردهم قريباً؛ هل ما زال البرهان صالحاً لحمل مشروع العودة، أم حان وقت البحث عن جنرال آخر؟ ويزداد هذا السؤال إلحاحاً مع تراكم ملف السلاح الكيميائي فوق أزمة الشرعية والهدنة والتأشيرة؛ فالبرهان لم يعد يواجه فقط تراجعاً في القبول السياسي، بل عبئاً دولياً متزايد الكلفة، كلما اتسع جعل الدفاع عنه أصعب وتسويقه كشريك للمستقبل أكثر تعقيداً. وإذا استمر هذا المسار، فقد لا يبقى السؤال داخل معسكره كيف ينقذون البرهان، بل متى يتخلون عنه؛ فملف السلاح الكيميائي قد يكون الضربة التي تنقله من خانة “القائد المتعثر” إلى خانة “العبء غير القابل للدفاع”، وعندها قد يتحول حلم الكيزان من إنقاذه إلى استبداله.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.