هذيان “الشرعية” في العاصمة البديلة: عزلة البرهان

نورا عثمان

 

بينما يستمر نزيف الدم السوداني وتتضاعف أطول أزمة إنسانية يشهدها العالم، يتضح يوماً بعد يوم حجم الفجوة العميقة بين واقع الميدان وبين الحُلم الذي تتعلق به سلطة بورتسودان. في جدران العاصمة الإدارية المؤقتة، تعيش قيادة الجيش السوداني حالة من الانفصال السياسي الذاتي، تجسدت مؤخراً في محاولات استدعاء مفاهيم “الشرعية” و”التفويض” لتغطية العزلة الدبلوماسية الخانقة التي تلتف حول عنق حكومة الأمر الواقع.

أزمة الاعتراف.. العزلة تتجاوز الحدود

لم تعد العزلة مجرد بيوت ومقرات رسمية تحيط بها المخاطر، بل تحولت إلى طوق دبلوماسي دولي غير مسبوق. إن المؤشرات الأخيرة الصادرة من العواصم القرار الدولية—من إغلاق الأبواب أمام الزيارات الرسمية لرموز السلطة العسكرية وصولاً إلى فرض العقوبات والتضييق على تحركات قيادات بورتسودان—تؤكد أن المجتمع الدولي لم يعد يتعامل مع السلطة الحالية بصفتها ممثلاً حتيمياً للمستقبل السياسي للبلاد.

فالامتناع عن منح التسهيلات الدبلوماسية ورسائل الرفض الصريحة التي تلقتها قيادات السيطرة العسكرية من منابر واشنطن وعواصم أوروبية، تشير إلى أن العواصم الغربية والإقليمية اتخذت قراراً بحصر التعامل الدبلوماسي وتضييق المساحات السياسية أمام كل طرف يصر على حسم الصراع بالبندقية ويُعرقل الوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار.

الارتهان لأجندة حرب بلا نهاية

في المقابل، يظهر قائد الجيش عبد الفتاح البرهان متشبثاً بخطاب يعتمد على استدعاء الشرعية الوطنية، وهو خطاب يفتقد للسند الواقعي في ظل انهيار المؤسسات والخدمات والنزوح المليوني للشرائح المدنية. تتجلى في هذا الموقف المأزق التاريخي لقيادة تعتمد على تحالفات محلية وإسلاموية قديمة تدفع باتجاه الاستمرار في الحرب وتحرم الساحة من أي أفق سياسي للحوار المدني.

إن تمسك بورتسودان بشعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” ورفض المبادرات الدولية الرامية للتهدئة وإنقاذ المدنيين لم ينتج سوى إضعاف الموقف التفاوضي وإعادة إنتاج خطاب مستهلك، يبدو في نظر العالم الخارجي أشبه بـ”هذيان” من يبحث عن شرعية مفقودة وهو يستند على أرضية تتآكل باستمرار.

بدائل المشهد الدولي وإعادة ترتيب الأوراق

إن القراءة الدقيقة للتحركات الدولية تشير إلى تغيير جوهري في قواعد اللعبة؛ إذ لم تعد واشنطن والشركاء الإقليميون ينظرون إلى السلطة العسكرية باعتبارها المدخل الوحيد للحل. إن فتح قنوات التواصل المباشرة مع القوى المدنية والتحالفات الديمقراطية يعكس تحولاً استراتيجياً لبناء مسار سياسي موازٍ يعيد الاعتبار للإرادة المدنية ويكسر احتكار السلاح للمستقبل.

في نهاية المطاف، لن تُبنى الشرعية في بورتسودان من خلال التلويح بالبيانات الرسمية أو الرهان على حسم عسكري استنزف البلاد. إن الطريق الوحيد لاستعادة السودان ومكانته الدولية يمر عبر شجاعة الاعتراف بفشل خيار الحرب، وفك الارتهان للتيارات الراديكالية، والانصياع لضرورة حماية المدنيين وإحلال السلام عبر دولة مدنية تسع جميع السودانيين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.