الخرطوم.. المحطة الأخيرة للعودة الطوعية: بين طموحات العودة واشتراطات الحماية الدولية

سيف الدولة كمال

​تُمثّل العاصمة السودانية الخرطوم الرمزية الأكبر لمأساة النزوح واللجوء التي خلّفتها الحرب، وفي الوقت نفسه تُشكّل المعبر الذهني والنفسي والأخير للعائدين الحالمين باستعادة حياتهم وممتلكاتهم. ومع تصاعد دعوات ومبادرات “العودة الطوعية”، بات يتكرر السؤال الجوهري في الأوساط السياسية والإنسانية، لماذا تُعد الخرطوم المحطة الأخيرة والفيصلية لهذه الرحلة؟ وما الذي أعدته الحكومة الفعلية لإسناد هذا المسار وفق المعايير والإطارات التي تضعها الأمم المتحدة والوكالات الدولية؟ الخرطوم.. لماذا هي المحطة الأخيرة والفيصلية؟
وهمو​المركزية الاقتصادية والخدمية، فعلى مدى عقود، تمركزت الشرايين الاقتصادية والخدمية والإدارية للسودان في الخرطوم. إن أي حديث عن عودة الاستقرار أو إعادة عجلة الإنتاج في باقي الولايات يظل ناقصاً ما لم تستعد العاصمة أمنها وتشغيل مؤسساتها الخدمية والتجارية، لهذا تجعل الحكومة الخرطوم وجهة الرئيسية .
​اختبار الإرادة والقدرة على التعافي تُمثل الخرطوم المحك الأساسي لتقييم نجاح الدولة في إدارة مرحلة ما بعد النزاع؛ فإذا نجحت الترتيبات في تأمين العاصمة وإعادة إعمار مرافقها الأساسية، تُصبح نموذجاً يقاس عليه في بقية أنحاء البلاد، وحسب المشاهد تفتقر الخرطوم للأمن.
​هل تنطبق معايير العودة الحالية على ما يتم الآن من تفويج وفق شروط الأمم المتحدة للعودة الطوعية الكريمة؟ ​تحدد مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) والمنظمة الدولية للهجرة (IOM) ثلاثة أركان رئيسية لأي برنامج عودة طوعية للاجئين والنازحين:
​الطوعية والإرادة الحرة (Voluntariness): أن يتم القرار دون أي إكراه مباشر أو غير مباشر (سواءً عبر الضغط القانوني في دول الاستضافة أو التضييق المعيشي). ​الأمان والسلامة (Safety): توفير السلامة القانونية (الضمانات والتعهدات)، والسلامة المادية (خلو المناطق من المظاهر المسلحة والمخلفات الحربية غير المنفجرة)، والسلامة الجسدية.
​الكرامة والاستدامة (Dignity and Sustainability):
ضمان حصول العائدين على الخدمات الأساسية (المياه، الكهرباء، الصحة، التعليم)، وإعادة فتح سبل العيش، واسترداد الملكيات العقارية أو تعويضها بشكل عادل.
​فماذا أعدت الحكومة للعائدين وفق هذه الشروط؟ خاصة وأن الاشتراطات لم تتحقق بشأن مدى جاهزية خطط الجهاز التنفيذي والجهات المعنية لاستقبال هذه التدفقات وفق الاشتراطات الدولية.
لم يتم ​تأمين الأحياء وإزالة المخلفات بالشكل الكامل، لم يتم ​تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية، شبكات الكهرباء والمياه في القطاعات المتضررة مازالت خارج الخدمة، وخروج كثير من المستشفيات المرجعية والمراكز الصحية عن الخدمة .
لم يتم تقديم الدعم المباشر للعائدين في مناطق سكنهم الأصيلة، وإعادة تقييم الأضرار المدنية لضمان حقوق الملكية. خاصة وأن الفجوة التمويلية العميقة وحجم الدمار الهائل يتطلبان استجابة أكثر شمولاً ودعماً دولياً مستداماً. فالعودة الطوعية لا تقتصر على توفير وسيلة المواصلات، بل تعتمد بالأساس على خلق بيئة آمنة ومستقرة تمنع الانتكاس أو النزوح العكسي مرة أخرى.
تبقى الخرطوم هي الاختبار الأهم والمحطة الأخيرة في مسار العودة الطوعية. ولا شك أن توفير المقومات التي تنص عليها المعايير الدولية من أمن وخدمات وسبل عيش يشكل الدعامة الوحيدة لتحويل رحلة العودة من خيار محفوف بالخاطر إلى استقرار دائم يُسهم في إعمار الوطن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.