الدواء أغلى من قدرة المواطن.. حكومة بورتسودان أمام امتحان الحياة

تيسير المبارك

أصعب ما في الحرب ليس أن تهدم بيتاً، بل أن يعود صاحبه إلى أنقاضه، ثم يكتشف أن الدولة التي يفترض أن تساعده على استعادة حياته لا تستطيع أن توفر له أبسط شروطها: دواء متاح، ماء نظيف، كهرباء، مستشفى يعمل، وسوق يستطيع فيه شراء احتياجات أسرته.
هذه هي المفارقة التي تواجه آلاف السودانيين العائدين إلى الخرطوم ومناطق أخرى شهدت تراجعاً في حدة القتال. فقد عاد الناس لأنهم يريدون الحياة، لا لأن الحياة أصبحت سهلة. عادوا إلى منازلهم ومدنهم، لكنهم وجدوا أمامهم اقتصاداً منهكاً وخدمات مدمرة وأسعاراً لا ترحم.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 2.8 مليون نازح داخلي عادوا إلى مناطقهم بنهاية 2025، وكان معظمهم إلى ولايتي الخرطوم والجزيرة، رغم أن مناطق العودة تعاني دماراً واسعاً ونقصاً في الخدمات ومخاطر متبقية من الحرب.
هنا تحديداً يبدأ السؤال السياسي والأخلاقي لحكومة بورتسودان: ماذا يعني أن تعلن عودة المواطنين بينما لا تستطيع الدولة توفير الحد الأدنى من مقومات بقائهم؟
الدواء.. الوجه الأكثر قسوة للأزمة
في السودان اليوم، لم يعد المريض يذهب إلى الصيدلية حاملاً وصفة طبية فقط؛ بل يذهب حاملاً سؤالاً آخر: هل أستطيع دفع ثمن الدواء؟ وهل سأجده أصلاً؟
ارتفاع أسعار الأدوية أصبح جزءاً من أزمة معيشية أوسع، لكن خطورته تختلف عن ارتفاع سعر الغذاء أو الملابس؛ لأن المريض يستطيع تأجيل شراء بعض السلع، بينما لا يستطيع مريض السكري أو الضغط أو القلب أن يؤجل علاجه إلى أجل غير مسمى.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن 21 مليون سوداني يفتقرون إلى الخدمات الصحية، وأن 37% من المرافق الصحية في الولايات الثماني عشرة لا تزال خارج الخدمة. كما وثقت المنظمة 217 هجوماً على الرعاية الصحية منذ أبريل 2023، أسفرت عن أكثر من ألفي وفاة.
هذه ليست أرقاماً في تقرير دولي. إنها تعني أن المواطن الذي عاد إلى منزله قد يضطر إلى قطع مسافات طويلة بحثاً عن مستشفى يعمل، ثم يبحث عن دواء قد لا يجده، وإن وجده قد يواجه سعراً يتجاوز دخله.
حكومة تعلن العودة.. لكن من يعيد الحياة
لا يمكن التعامل مع عودة النازحين باعتبارها مجرد حركة سكانية أو انتصار إداري. العودة الحقيقية تبدأ عندما يصبح بإمكان المواطن أن يعيش بصورة طبيعية في المكان الذي عاد إليه.
والأمم المتحدة نفسها وصفت العودة إلى الخرطوم بأنها عودة إلى مدينة ما زالت تعاني من دمار واسع ونقص مزمن في الخدمات الأساسية. وفي يوليو 2025، قالت وكالات الأمم المتحدة إن أكثر من مليون شخص كانوا قد عادوا إلى الخرطوم منذ بداية العام، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن الخدمات الأساسية بالكاد تعمل.
فما قيمة أن يعود المواطن إلى منزله إذا كان المستشفى القريب منه لا يعمل؟
وما قيمة إعادة فتح الطرق إذا كانت الصيدلية عاجزة عن توفير الأنسولين؟
وما معنى الحديث عن استعادة الدولة إذا كانت الأسرة العائدة عاجزة عن الحصول على مياه آمنة أو علاج لطفل مريض؟
هذه ليست أسئلة ترف سياسي. إنها أسئلة الحياة نفسها.
المواطن لا يأكل الشعارات
لسنوات طويلة، ظل الخطاب الرسمي يضع الأمن والسيطرة العسكرية في مقدمة الأولويات. لكن المواطن الذي أنهكته الحرب لا يقيس الدولة بعدد البيانات الرسمية ولا بعدد المؤتمرات الصحفية.
يقيسها بما يجده عندما يفتح صنبور المياه. بما يجده في الصيدلية.
بما يحصل عليه من راتب. بما إذا كان المستشفى يستقبل مريضه. وبما إذا كان يستطيع شراء الغذاء لأطفاله.
ولهذا فإن أزمة الدواء تكشف بوضوح الفجوة بين خطاب استعادة الدولة وبين القدرة الفعلية على تقديم وظائف الدولة الأساسية.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن اضطرابات سلاسل الإمداد ونقص التمويل والنزوح واستمرار الحرب تضغط على الخدمات الصحية، فيما حذّر تجمع الصحة في السودان في يونيو 2026 من أن نقص التمويل قد يعرّض 335 مرفقاً وخدمة صحية في 13 ولاية لخطر الإغلاق أو تقليص العمل، بما قد يؤثر بصورة غير مباشرة على 3.35 مليون شخص.
العودة بلا خدمات.. إعادة إنتاج للنزوح
المشكلة أن المواطن قد يعود إلى الخرطوم أو الجزيرة أو غيرهما، لكنه إذا لم يجد الخدمات الأساسية فقد يجد نفسه أمام خيار العودة إلى النزوح، أو الاعتماد على الأقارب والمساعدات، أو العيش في ظروف لا تختلف كثيراً عن حياة النزوح.
وهذا تحديداً ما يجعل ملف العائدين مسؤولية حكومية لا يمكن تركها للمنظمات الإنسانية وحدها.
فالمنظمات الدولية يمكن أن توفر شحنة أدوية، أو تدعم مركزاً صحياً، أو تصلح شبكة مياه، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الدولة في إدارة الصحة والاقتصاد والخدمات العامة.
ومنظمة الصحة العالمية تقول إنها سلمت منذ أبريل 2023 أكثر من 3300 طن متري من الأدوية والمستلزمات الطبية للسودان، كما دعمت تقديم خدمات صحية لأكثر من 4.1 ملايين شخص.
وهذا الدعم الدولي مهم، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم الفجوة التي يفترض أن تعمل مؤسسات الدولة على سدها.
ليست مشكلة صيدلية.. إنها مشكلة دولة
حين ترتفع أسعار الدواء، لا ينبغي أن ينتهي النقاش عند الصيدلي والمستورد.
هناك أسئلة أكبر:
من يضمن استقرار سلاسل الإمداد؟
من يوفر العملة الأجنبية لاستيراد الأدوية الأساسية؟
من يحمي المصانع والمخازن وطرق النقل؟
من يضمن وصول الأنسولين وأدوية الضغط والقلب إلى الولايات؟
من يراقب السوق ويمنع الاستغلال والاحتكار؟
ومن يضع خطة واضحة لإعادة تشغيل النظام الصحي في المدن التي عاد إليها مئات الآلاف؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها البيانات السياسية.
المواطن عاد.. فماذا عن الدولة؟
العودة إلى الخرطوم ليست نهاية الحرب بالنسبة للمواطن؛ إنها بداية معركة أخرى: معركة إعادة بناء الحياة.
ومن الخطأ أن تتحول العودة إلى صورة إعلامية تُستخدم لإثبات أن الأمور عادت إلى طبيعتها، بينما الأرقام والتقارير الإنسانية تقول إن الخدمات الصحية لا تزال في وضع شديد الهشاشة.
لقد عاد السودانيون إلى مدنهم لأنهم يريدون أن يعيشوا فيها، وليس لكي يكتشفوا أن الحرب غادرت الشوارع لكنها بقيت في أسعار الدواء، وانقطاع الخدمات، وانهيار القدرة الشرائية، وتعطل المستشفيات.
الحكومة التي تريد إقناع المواطن بأن الدولة استعادت عافيتها مطالبة بأن تجيب عن أبسط سؤال:
هل يستطيع المواطن العائد أن يعيش؟
أن يجد دواءه.
أن يحصل على الماء.
أن يعالج أطفاله.
أن يرسلهم إلى المدرسة.
أن يجد عملاً.
وأن يشتري الطعام من دخله دون أن يختار بين الغذاء والعلاج.
فإذا كانت الإجابة لا تزال معلقة، فإن الحديث عن استعادة الحياة يظل ناقصاً.
المواطن السوداني لا يحتاج فقط إلى العودة إلى بيته؛ يحتاج إلى دولة تجعل البقاء في بيته ممكناً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.