يا برهان، هون عليك،
فالكرسي ليس عرشاً، والسلطة ليست عصمة، والتشبث لا يصنع البقاء، بل يجعل السقوط أطول وأوجع. وكلما قبض البرهان على السلطة أكثر، قبضت السلطة على رقبته أكثر. وكلما قال: «لن نغادر»، قالت له الأيام: سنرى.
كان الرجل يستعد للذهاب إلى نيويورك لمخاطبة العالم، لكن الولايات المتحدة لم تمنحه تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد ارتبطت الأزمة، بحسب تقارير صحفية، بخلافات حول مقترحات وقف إطلاق النار. فـ”تسمر” في الخرطوم، وهناك وجد الميكروفون. فالميكروفون، لحسن الحظ، لا يحتاج إلى تأشيرة.
وقف في استاد الخرطوم وقال: «لا نحتاج تأشيرة من أي دولة ولا إذناً من أحد… نعيش هنا ونموت وسط شعبنا».
يا سلام! بقيت التأشيرة وحدها هي المشكلة. أما نيويورك، التي كان الرجل يستعد لمخاطبة العالم منها، فقد صارت فجأة شيئاً لا يحتاجه أحد. حين تُفتح الأبواب يصبح العالم مهماً، وحين يُغلق باب يصبح الباب غير مهم. دي شنو يا جماعة؟ دي سياسة أم فهلوة سياسية؟
لكن القضية ليست في التأشيرة، بل في ذلك الوهم القديم: وهم أن الحاكم هو الدولة.
والدولة ليست شخصاً. الدولة شعب، ومؤسسات، وقانون، وحقوق، ومواطنون لا يتحولون إلى «جمهور» لمجرد أنهم وقفوا أمام منصة. فالاستاد ليس السودان، والهتاف ليس تفويضاً، والتصفيق لا يمنح أحداً صكاً أبدياً على الوطن.
الشعب السوداني أكبر من منصة، وأكبر من استاد، وأكبر من بندقية، وأكبر من برهان، بل أكبر من كل من ظن أن السودان ملكية خاصة، وأن السلطة مقعد يمكن شده بالحبال حتى لا يسقط صاحبه.
والأعجب من ذلك أن الخطاب السياسي نفسه صار يتبدل بتبدل المكان. ففي الداخل حديث عن الحسم، وفي الخارج حديث عن الضغوط، وعند الحديث عن السلام تظهر لغة أخرى، وعند الحديث عن الحرب تظهر لغة رابعة.
في يونيو الماضي أعلن البرهان رفض «الحلول الوسط» وربط نهاية الحرب بالقضاء على الدعم السريع، بينما أعلن مجلس الأمن والدفاع في يوليو ترحيبه بمبادرات السلام وتفاعله مع ورقة الوسطاء.
وهنا لا يحتاج المواطن إلى محلل سياسي؛ يكفيه أن يضع التصريحات جنباً إلى جنب. مرة: لا تفاوض. ومرة: نحن مع السلام. مرة: الحسم قريب. ومرة: نرحب بالوساطات. مرة: لا نحتاج أحداً، ثم تتحرك الدبلوماسية في كل الاتجاهات بحثاً عن مواقف الدول.
يا أخي، قولوا لنا فقط: أين الخطاب الرسمي؟ أم أن الخطاب الرسمي هو آخر كلام قيل أمام آخر ميكروفون؟ وأين جواز سفر «الرئيس!!»؟
وهذه هي الصفعة الحقيقية. فالسلطة حين تطول أكثر مما ينبغي تبدأ في صناعة تناقضاتها بنفسها. لا تحتاج إلى خصم يفضحها؛ يكفي أن تتركها تتكلم. كل تصريح يجر وراءه تصريحاً، وكل خطاب يحتاج إلى شرح، وكل شرح يحتاج إلى خطاب جديد، حتى يصبح الحاكم أسيراً لكلامه.
ثم يبقى السودان أسيراً للحرب، ويبقى الجوع والنزوح والخراب والمدارس المغلقة والبيوت التي لم تعد بيوتاً.
وهنا ينبغي أن نسأل السؤال الذي لا تستطيع مكبرات الصوت أن تغطي عليه: أين السودان الذي يُقال إننا نحميه؟
هل السودان هو المنصة؟ أم الخرطوم كلها؟ أم المدن التي دمرتها الحرب؟ أم المواطن الذي يبحث عن خبز ودواء وأمان؟
السودان موجود هناك: في بيت الأم، وفي حقيبة النازح، وفي دفتر التلميذ، وفي سرير المريض، وفي السوق، وفي الطريق. هناك يُقاس الوطن، لا بعدد الواقفين أمام منصة.
أما الذين يريدون تحويل حشد هنا أو هتاف هناك إلى شهادة شعبية شاملة، فنقول لهم: الهتاف لا يصنع شعبية. وعدد الواقفين لا يختصر ملايين السودانيين. فالناس ليست جمهوراً دائماً، والشعب ليس ديكوراً سياسياً، والتصفيق، مهما علا، لا يمحو الجوع.
ثم إن الكرسي نفسه له حكاية. في البداية يحمل صاحبه، ثم يظن صاحبه أنه هو الذي يحمل الكرسي، ثم تأتي اللحظة التي يكتشف فيها الحقيقة: الكرسي هو الذي صار يحمله.
يحمله إلى الأمام وهو يريد أن يبقى، ويحمله إلى الخلف وهو يظن أنه يتقدم، ويحمله فوق ركام بلد كامل، ثم يقول له: لا تسقط!
لكن الكراسي لا تحكم التاريخ؛ التاريخ هو الذي يحاكم الكراسي.
فليتشبث البرهان إذن، وليقبض على الكرسي بكلتا يديه، وليستدعِ من يشاء من البلابسة ليشدوا الحبال من الخلف. لكن هناك شيئاً لا يستطيع أحد أن يشده بالحبال: الزمن.
فالزمن لا يصادق على الكراسي، ولا يجامل أصحابها، ولا يصفق لهم. والكرسي الذي يطول الجلوس عليه فوق آلام شعبه قد يتحول من مقعد للسلطة إلى شاهد اتهام.
وهناك من الصفعات ما لا تحتاج إلى تأشيرة..
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.