كان يظن أن العودة إلى الخرطوم ستكون بداية النهاية لسنوات اللجوء. حمل ما استطاع من أمتعة، وأمسك بأيدي أطفاله، وبدأ رحلة العودة إلى المنزل الذي غادره هرباً من الحرب. كان يسمع أن الأوضاع تحسنت، وأن الحياة بدأت تعود إلى العاصمة، وأن كثيراً من السودانيين شرعوا في العودة إلى مناطقهم.
عائد: يقول: “في معسكر اللجوء كان الوضع مختلفاً. كنا نأكل وجبتين في اليوم، ووالدتي كانت تجد العلاج. لم تكن الحياة سهلة، لكن كان عندنا شيء نعيش به. هنا رجعت إلى بيتي، لكن لا أملك ما أضعه في المطبخ، ولا أملك ثمن علاج أمي.”
لكن لحظة وصوله إلى منزله كانت مختلفة تماماً عن الصورة التي رسمها في ذهنه. فتح الباب، فوجد بيتاً لم يعد يشبه البيت الذي تركه. جدران متضررة، أثاث مفقود، واحتياجات أساسية لا يملك المال لتوفيرها. لم يكن هناك ما يكفي لإعداد وجبة لأطفاله، ولا عمل ينتظره، ولا مصدر دخل واضح يستطيع من خلاله إعادة بناء حياته من جديد. جلس وسط أطفاله، وفي ذهنه سؤال واحد: كيف سأطعمهم غداً؟
يقول العائد: “أخبرونا أن الوضع مستقر، وأن الحياة عادت إلى الخرطوم. صدقنا الكلام وقلنا نرجع لبيوتنا ونبدأ من جديد. لكن عندما وصلنا اكتشفنا أن العودة ليست مجرد فتح باب البيت.”
لم تكن المشكلة في المنزل وحده. والدته المريضة عادت معه أيضاً، بعدما كانت تحصل في مكان اللجوء على قدر من الرعاية والعلاج. أما الآن، فإن شراء الدواء أصبح عبئاً يفوق قدرته، خصوصاً بعدما عاد بلا مدخرات ولا عمل. يقول: “في معسكر اللجوء كان الوضع مختلفاً. كنا نأكل وجبتين في اليوم، ووالدتي كانت تجد العلاج. لم تكن الحياة سهلة، لكن كان عندنا شيء نعيش به. هنا رجعت إلى بيتي، لكن لا أملك ما أضعه في المطبخ، ولا أملك ثمن علاج أمي.” ينظر إلى أطفاله وهم ينتظرون الطعام، ثم إلى والدته التي تحتاج إلى الدواء، ويجد نفسه أمام مفارقة قاسية: عاد إلى الوطن، لكنه لم يجد مقومات الحياة.
العودة ليست مجرد رحلة
تؤكد تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن العودة المستدامة إلى السودان لا تتعلق بالأمن وحده، وإنما تحتاج أيضاً إلى السكن والخدمات الصحية والتعليم وسبل كسب العيش والخدمات الأساسية. كما حذرت المفوضية من أن أجزاء واسعة من البلاد ما تزال تعاني من دمار البنية التحتية ونقص الخدمات. وفي الخرطوم، أتاحت عودة مستوى من الهدوء في بعض المناطق عودة أعداد كبيرة من النازحين، لكن ذلك جرى وسط دمار واسع ونقص في الخدمات ومخاطر مرتبطة بمخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة. ولهذا تبدو تجربة هذا الأب واحدة من الأسئلة الصعبة التي تطرحها موجة العودة: ماذا يحدث للعائد عندما يصل إلى المكان الذي كان يسميه “البيت”، لكنه لا يجد فيه شروط الحياة؟
يحلم الرجل بأن يرى أطفاله يعيشون حياة طبيعية من جديد. يقول إن قرار العودة لم يكن سهلاً، لكنه اتخذه أملاً في أن يجد عملاً، ويصلح منزله تدريجياً، ويعيد أطفاله إلى المدارس، ويعتني بوالدته.
آلاف الأسر التي قد تجد نفسها أمام المرحلة الأصعب بعد النزوح: العودة إلى بيتٍ لم يعد صالحاً للحياة، وإلى مدينة تحتاج إلى إعادة بناء، وإلى اقتصاد لا يوفر دخلاً كافياً
لكن الواقع وضعه أمام احتياجات عاجلة لا تحتمل الانتظار: الطعام، الدواء، الماء، وإصلاح المنزل. “أنا ما رجعت عشان أعيش أفضل من الناس. رجعت عشان أعيش في بلدي وسط أهلي. كنت عايز أولادي يرجعوا المدرسة، وأمي تلقى علاجها، وأنا أشتغل وأصرف على أسرتي. لكن الآن أنا محتار: أجيب الأكل ولا الدواء؟”
وتشير الأمم المتحدة إلى أن العودة من دون توفير الخدمات الأساسية وسبل المعيشة يمكن أن تجعل الأسر العائدة أكثر هشاشة، خصوصاً عندما تصل إلى مناطق تعرضت بنيتها التحتية ومصادر دخلها للدمار.
وطنٌ بلا أمان معيشي
لا يتحدث الرجل عن رغبته في مغادرة السودان مجدداً، لكنه يقول إن العودة وحدها لا تكفي. فبالنسبة له، الوطن ليس جداراً يعود إليه الإنسان، وإنما طعام على المائدة، ودواء للمريض، وماء وكهرباء، ومدرسة للأطفال، وفرصة عمل تحفظ للأسرة كرامتها. وفي نهاية حديثه، يقول بصوت يحمل مزيجاً من الأمل والخوف: “أنا رجعت لبلدي، وما داير أرجع تاني للجوء. لكن ساعدونا نقدر نعيش هنا. نحن ما دايرين حاجة كبيرة.. دايرين نأكل، أمي تتعالج، وأولادي يعيشوا زي باقي الأطفال.”
تلك ليست فقط قصة رجل عاد من اللجوء. إنها قصة آلاف الأسر التي قد تجد نفسها أمام المرحلة الأصعب بعد النزوح: العودة إلى بيتٍ لم يعد صالحاً للحياة، وإلى مدينة تحتاج إلى إعادة بناء، وإلى اقتصاد لا يوفر دخلاً كافياً، بينما تبقى احتياجات الأسرة مستمرة كل يوم. فالعودة الحقيقية لا تبدأ عند عبور الحدود أو فتح باب المنزل؛ بل تبدأ عندما يستطيع العائد أن يقول لأطفاله: “نحن بخير الآن.. لدينا ما يكفينا لنعيش.”
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.