إضرابات القطاعات الحيوية تعري أزمة الواقع السوداني

تيسير المبارك

لم تعد الأزمة في السودان تقتصر على الصوت المدوّي للمعارك المسلحة وتداعي البنى التحتية، بل امتدت لتضرب عمق شرايين الحياة اليومية والخدمية عبر شلل اقتصادي غير مسبوق، جعل من الاستمرار في العطاء أمراً شبه مستحيل. اليوم، تقف القطاعات الأكثر حيوية في المجتمع — من أطباء ومعلمين وأساتذة جامعات — في خندق الإضراب والاحتجاج، ليس رغبةً في تعطيل مصالح المواطنين، بل صرخة ألم في وجه واقع اقتصادي بات يهدد وجودهم وكرامتهم المعيشية.
إن متوالية الاحتجاجات والإضرابات التي تعم المشهد ليست أحداثاً معزولة، بل هي النتيجة الطبيعية والمنطقية لانهيار القوة الشرائية، وتآكل قيمة العملة الوطنية، وتوقف صرف المستحقات والرواتب لأشهر طويلة. لقد وجد المهنيون الذين حرسوا بوابات الصحة والتعليم طوال سنوات الأزمة أنفسهم عاجزين حتى عن تغطية تكاليف التنقل للوصول إلى منافذ عملهم.
تتجلى خطورة هذا الشلل الخدمي والاقتصادي في ثلاثة محاور أساسية:
تداعي القطاع الصحي: يخوض الأطباء والكوادر الطبية معارك يومية داخل مستشفيات تفتقر لأبسط المستلزمات المنقذة للحياة، ومع انقطاع المرتبات وتفاقم غلاء المعيشة، أصبحت بيئة العمل طاردة وقاسية، مما يعرض أرواح المرضى والمراجعين لخطر داهم.
تجميد المستقبل التعليمي: يعاني المعلمون في المدارس وأساتذة الجامعات من تجاهل مستمر لمطالبهم المشروعة بتعديل الهيكل الراتبي وسداد المتأخرات، مما أدى إلى شلل شبه تام في العام الدراسي وحرمان ملايين الطلاب من حقهم الطبيعي في التعليم ومواصلة تحصيلهم الأكاديمي.
شح السيولة وانعدام سبل العيش: يشكل انعدام السيولة النقدية وتوقف عجلة الإنتاج في معظم الولايات عبئاً مضاعفاً على القوى العاملة، إذ لم تعد المرتبات إن وجدت تفي بأدنى متطلبات القوت اليومي للأسر.
إن محاولة معالجة هذه الإضرابات بالوعود الشفهية أو التجاهل لن تززيد الأوضاع إلا تعقيداً. إن الكوادر الصحية والتربوية والأكاديمية هي الركيزة الأخيرة المتبقية لتماسك المجتمع، واستمرار الدفع بها نحو حافة الفقر المتقع يهدد بانهيار كامل لما تبقى من مؤسسات الدولة.
إن المخرج الحقيقي يتطلب التعامل بشفافية وجدية مع مطالب هذه الفئات، ووضع الأزمة الاقتصادية والخدمية في صدارة الأولويات، عبر خطوات سريعة لتأمين الرواتب، وتوفير السيولة، وإعادة تأهيل بيئة العمل، بالتوازي مع الجهود الأساسية لإيقاف الحرب واستعادة الاستقرار الشامل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.