البشير يستشفى خارج السودان.. منْ يعيد للسودانيين مستشفياتهم؟

سيف الدولة كمال

يا لها من مفارقة سودانية موجعة!.. عمر البشير، الرجل الذي حكم السودان ثلاثين عاماً، يجد اليوم من يطالب له بالعلاج خارج البلاد، بعدما نُقل إلى مستشفى عسكري في الخرطوم إثر تدهور حالته الصحية، بينما يعيش ملايين السودانيين في بلدٍ أصبح فيه العثور على مستشفى يعمل، أو طبيب متاح، أو دواء أساسي، رحلة شاقة قد تنتهي بالموت. ولا يتعلق الأمر هنا بحرمان أي إنسان من حقه في العلاج. المرض لا ينبغي أن يكون عقوبة، والعلاج حق إنساني. لكن السؤال السياسي والأخلاقي الذي لا يمكن الهروب منه هو: كيف أصبح حاكم الأمس في حاجة إلى إنقاذ طبي خارج السودان، بينما ترك خلفه دولة لم تستطع بناء نظام صحي يحمي المواطن العادي؟ هذه ليست شماتة في المرض، وإنما مساءلة عن حصيلة ثلاثة عقود من الحكم.
خلال سنوات حكم البشير، ظلت الدولة تنفق موارد ضخمة على الأمن والدفاع والحروب، في الوقت الذي ظل فيه القطاع الصحي يعاني من مشكلات التمويل والبنية التحتية وهجرة الكوادر ونقص المعدات والأدوية. كانت الأولوية السياسية واضحة: أجهزة أمنية واسعة، وحروب ممتدة، وتعبئة عسكرية، بينما بقيت قطاعات الصحة والتعليم والخدمات العامة في ذيل سلم الاهتمام. واليوم، بعد سنوات من الحرب، ندفع جميعاً ثمن ذلك الإرث. لكن السؤال لا يزال قائماً: ماذا فعلت تلك الدولة بكل ما أنفقته طوال تلك السنوات؟ إذا كان المواطن السوداني لا يستطيع الحصول على حبة بندول، أو علاج للملاريا، أو سرير في مستشفى، فماذا بقي من مفهوم الدولة؟
السوداني الذي يصطف أمام صيدلية بحثاً عن دواء بسيط  يحتاج إلى علاج. الأم التي تحمل طفلها المصاب بالحمى لا تسأل عن موازين القوى السياسية. تريد دواءً. والرجل الذي يصاب بالملاريا يحتاج إلى قرص علاج في الوقت المناسب. لكن في السودان المنهك بالحرب والانهيار الاقتصادي، أصبح الحصول على الدواء نفسه أزمة.
المفارقة السياسية هنا لا يمكن تجاهلها. البشير حكم السودان منذ 1989 حتى إسقاطه في أبريل 2019. واليوم، وبعد أكثر من سبعة أعوام على سقوط نظامه، يطالب مقربون منه وأسرته بالسماح له بالسفر إلى الخارج لتلقي العلاج الذي يرون أنه ضروري. وحتى الأول من أكتوبر 2026، كانت التقارير تشير إلى نقله إلى مستشفى عسكري في الخرطوم، مع استمرار المطالبة بعلاجه خارج السودان، دون إعلان رسمي نهائي بشأن السماح بالسفر.
البشير اليوم مريض. وغداً قد يمرض أي سوداني. لكن الفرق أن المواطن العادي لا يملك مستشفى عسكرياً، ولا فريقاً قانونياً يضغط من أجل سفره، ولا شبكة علاقات تفتح له أبواب العلاج. لهذا فإن مأساة البشير الصحية يجب ألا تتحول إلى معركة حول شخصه. يجب أن تتحول إلى سؤال عن حق كل سوداني في الحياة.
فالسوداني الذي يموت لأنه لم يجد علاج الملاريا ليس أقل قيمة من أي مسؤول سابق. والطفل الذي يموت بسبب مرض يمكن علاجه ليس أقل استحقاقاً للحياة من صاحب أي منصب. والأم التي تفقد طفلها لأنها لم تجد مستشفى يعمل هي أيضاً ضحية لسياسات الدولة. لقد آن الأوان لأن نفهم أن الدولة لا تُقاس بعدد البنادق التي تحملها، ولا بعدد الأجهزة الأمنية التي تمتلكها، ولا بعدد الحروب التي تخوضها.
الدولة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها عندما يمرضون. وبقدرتها على إنقاذ طفل قبل أن يموت. وبقدرتها على توفير الدواء قبل أن يصبح المرض كارثة. وبقدرتها على جعل المستشفى العام مكاناً للعلاج، لا مكاناً للانتظار حتى الموت. أما السودان الذي يُترك فيه المواطن يبحث عن حبة بندول، ثم يُقال له اصبر حتى تنتصر الحرب، فهو سودانٌ يحتاج إلى إنقاذ الدولة قبل إنقاذ أي شيء آخر.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.