متلازمة ستوكهولم… حين يقع الشعب في حبّ «الأمل»

قصاصات راي ــ محمد سراج محمد

يقال إن «متلازمة ستوكهولم» تجعل الضحية تتعاطف مع من يسيطر عليها. لكن يبدو أن السودان قرر تطوير النظرية وإضافة لمسة محلية: الضحية لا تتعاطف مع خاطفها فقط، بل تصفق له كلما وعدها بأنه سيخفف الخطف في المستقبل!
هنا، لا تحتاج الحكومة إلى أن تقول للشعب: «الأوضاع ممتازة». يكفي أن تقول: «الأوضاع ستصبح ممتازة قريبًا»، ثم تترك الباقي لخيال المواطن.
حكومة الأمل بارعة في إدارة المستقبل. فالمستقبل عندها واسع، رحب، ومليء بالوعود، ولا يحتاج إلا إلى شيء بسيط جدًا: أن نصل إليه أولًا.
أما الحاضر، فله شأن آخر.
المواطن السوداني يستيقظ فيجد الأسعار قد سبقته إلى السوق، والخدمات تمارس معه لعبة الغميضة، والمرتب يتصرف كضيف خجول لا يظهر إلا للحظات، ثم يختفي قبل أن يتعرف عليه صاحبه.
ومع ذلك، يظهر المسؤول بابتسامة وطنية ويقول:
«نحن على الطريق الصحيح».
أي طريق؟
لا أحد يعرف.
لكن المهم أننا نسير.
وكلما سأل المواطن: «متى نصل؟» جاءه الرد الرسمي العبقري: «قريبًا».
«قريبًا» في قاموس السياسة السودانية ليست وحدة زمنية، بل مذهب فلسفي. قد تعني غدًا، أو العام القادم، أو حين تنبت البطاطا في صحراء بورتسودان.
أما الشعب، فقد أصبح خبيرًا في تفسير البيانات الرسمية. إذا قيل «تحسن ملحوظ»، يذهب المواطن ليتأكد من جيبه، فإذا وجده فارغًا قال: «واضح أن التحسن حدث في مكان آخر».
وإذا قيل «انفراج وشيك»، بدأ السوداني يبحث عن كلمة «وشيك» في القاموس، فقط ليعرف كم سنة تستطيع هذه الكلمة أن تعيش.
المضحك أن المواطن السوداني لا يزال يحتفظ بجرعة هائلة من الأمل. ليس لأن الوقائع تمنحه أسبابًا كافية، بل لأن اليأس نفسه أصبح يحتاج إلى طاقة لا يملكها.
وهكذا تستمر العلاقة: الحكومة تقدم الأمل، والشعب يستهلكه. الحكومة تنتج التصريحات، والشعب يعيد تدويرها في المقاهي ووسائل التواصل الاجتماعي، ثم ينتهي الأمر بنكتة سودانية تصلح أحيانًا لأن تكون التقرير الاقتصادي الوحيد الذي لم يكذب.
وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى: الشعب لا يعيش على الأمل بقدر ما يعيش على السخرية من الأمل.
فحين تصبح عبارة «الأيام القادمة أفضل» أطول عمرًا من بعض الحكومات، وحين يصبح «قريبًا» تاريخًا مفتوحًا بلا نهاية، وحين يتحول المواطن إلى محلل اقتصادي لمجرد أنه حاول شراء كيس سكر؛ فربما لم تعد المشكلة في نقص الأمل.
المشكلة أن الأمل نفسه يحتاج إلى حكومة تنفذ وعده.
وإلى ذلك الحين، سيظل السوداني يفعل ما يجيده أكثر من أي خبير استراتيجي: يضحك على الكارثة، يشرب شايه، وينظر إلى السماء قائلًا:
«إن شاء الله الجاي أحسن»… لأن البديل، بصراحة، يحتاج إلى ميزانية لا يملكها أحد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.