الكرسي الذي لم يجده التلميذ، ما نفعه للوزير؟

حسن عبد الرضي

في السودان، إذا عجز المسؤول عن حل المشكلة، جلس بجوارها. وإذا اشتدت الأزمة، ابتسم. وإذا لم يجد مقعداً للتلميذ، جلس هو على الأرض. ثم صوَّر المشهد.
هكذا اكتشفنا، على ما يبدو، أحدث نظريات الإدارة التعليمية. فالتعليم في النيل الأبيض دخل مرحلة جديدة. مرحلة «التربية الأرضية». لا مقعد. لا مشكلة. فالوزير نفسه أصبح مَقْعَداً! فالصورة تقول: الوزير قريب من التلميذ. والواقع يسأل: أين الكرسي؟ وهنا تبدأ الكوميديا.
بدلاً من أن يوفر الوزير المقعد للتلميذ، جلس هو مكان المقعد.
فيا لها من عبقرية إدارية! التلميذ بلا كرسي. لكن الوزير موجود. والكاميرا موجودة. والصورة موجودة. أما الكرسي…
فمفقود.. مفقود.. مفقود في ظروف غامضة! وهذه هي المشكلة.
التربية ليست أن تجلس مع التلميذ على الأرض. التربية أن تجعل التلميذ لا يحتاج إلى الجلوس على الأرض. إنه يحتاج إلى وزير. لا إلى مصوِّر. والأطرف أن المشهد أعاد إلى الذاكرة جلسة كامل إدريس الشهيرة. فيبدو أن الجلوس على الأرض أصبح جزءاً من البروتوكول الحكومي الجديد. كلما عجز المسؤول عن الارتفاع إلى مستوى المشكلة، هبط إلى الأرض. ثم التقطت الكاميرا الصورة. وبذلك يصبح الفشل «تواضعاً». والعجز «قرباً من المواطن». والإخفاق «مشاركة وجدانية». والتصفيق والإعجاب مفروضين على المغلوبين!
يا سبحان الله! حتى الفشل عندنا يحتاج إلى مصوِّر. لكن وزير التربية والتعليم بالنيل الأبيض أمام امتحان أكبر من الكرسي. فبحسب ما يتداوله إعلاميون وناشطون في الولاية، فإن الرجل أصبح مادة للسخرية بسبب ما يرونه ضعفاً في الأداء والتواصل. ومن بين الروايات المتداولة أنه لا يعرف عدد محليات الولاية. وهنا نقول: يا سعادة الوزير… لا نطلب منك حفظ أسماء شوارع كوستي. احفظ فقط خريطة وزارتك! فالوزير الذي لا يعرف جغرافيا ولايته، كيف يعرف جغرافيا التعليم؟ كيف يعرف مدارس الأطراف؟ كيف يعرف مشاكل المعلمين؟ كيف يعرف أحوال التلاميذ؟ وكيف يعرف أين يجلس التلميذ؟ إلا إذا كانت الوزارة كلها محصورة بين المكتب والكاميرا! والأكثر إثارة للسخرية حكاية أم رمتة. محلية تتبع للولاية. وتدخل في نطاق وزارة التربية. ومع ذلك، يتداول ناشطون أن الوزير لا يعرفها. إذا صح ذلك، فهذه ليست مشكلة جغرافيا. هذه مشكلة وزارة. التلميذ في أم رمتة يعرف أين مدرسته. المعلم يعرف أين فصله. الأب يعرف أين يذهب ابنه.
والوزير… يحتاج إلى دليل سياحي!
يا سعادة الوزير: أم رمتة ليست كوكباً خارج المجموعة الشمسية. إنها محلية في ولايتك. اذهب إليها.
فقد تجد هناك تلاميذ يعرفون عن الوزارة أكثر مما تعرف الوزارة عنهم.
أما حكاية الهاتف، فهي من أجمل فصول الكوميديا. فبحسب ما يتداوله بعض المواطنين، كان الوزير في بداية توليه المنصب يعطي زواره رقم هاتفه الشخصي.
ثم، مع مرور الزمن، تغيَّرت العلاقة.
صار الهاتف أقل حماساً. وأكثر «تربية». لا يرد. ربما دخل دورة تدريبية. ربما أصبح الهاتف «وزيراً». وربما تلقى تعليمات بعدم التواصل مع المواطنين. المهم أن المواطن يتصل. والهاتف يصمت. وكأن الوزارة طبقت نظاماً جديداً: «التعليم عن بُعد… والوزير عن الاتصال». لكننا نسأل السؤال الأهم: ماذا يريد تلميذ النيل الأبيض؟ لا يريد صورة مع الوزير.
يريد مقعداً. لا يريد جلسة أرضية.
يريد فصلاً صالحاً. لا يريد خطاباً عن مستقبل التعليم. يريد كتاباً.
ومعلماً. ومدرسة. وكرامة. هذه هي التربية. أما أن يجلس الوزير على الأرض، فهذا يصلح للصورة. لا يصلح للوزارة. فيا سعادة الوزير…
انهض. وانفض عنك تراب الصورة.
ليس لأن الجلوس على الأرض عيب. بل لأن التلميذ هو الذي يحتاج إلى أن تجلس له الدولة في مقعد محترم. انهض من الصورة.
وادخل المدرسة. اخرج من كوستي. اذهب إلى الأطراف. اذهب إلى أم رمتة. اسأل عن الكراسي. اسأل عن الكتب. اسأل عن المعلمين. اسأل عن التلاميذ. ثم ارجع. واجلس. لكن اجلس مع ملفات الوزارة. لا مع الكاميرا. أما إذا كان كل ما تستطيع الوزارة تقديمه هو هذه الصورة، فدعونا نكون صريحين: لقد وجدنا أخيراً حلاً لأزمة الإجلاس. الوزير يجلس. والتلميذ يقف. والكاميرا تبتسم. والتعليم… على الأرض. يا لها من ولاية! حتى الكرسي صار حلماً. وصارت الأرض إنجازاً. وصارت الصورة وزارة. وبذلك لم تعد المشكلة أن التلميذ لا يجد كرسياً.
المشكلة أن الوزير وجد الأرض… واعتبرها إنجازاً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.