حين يتوقف الطبيب والمعلم والأستاذ.. الاقتصاد السوداني يدخل مرحلة الشلل

تقرير: عين الحقيقة

لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد أرقام عن ارتفاع الأسعار وانهيار قيمة الجنيه أو تأخر المرتبات، بل تحولت إلى واقع يومي يهدد ما تبقى من مؤسسات الدولة وخدماتها الأساسية. وحين يجد الطبيب نفسه مضطراً للإضراب، والمعلم عاجزاً عن الوصول إلى مدرسته، وأستاذ الجامعة غير قادر على الاستمرار في عمله، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت حدود المعيشة لتصل إلى قلب الدولة والمجتمع. خلال عام 2026، اتسعت دائرة الاحتجاجات المهنية لتشمل قطاعات الصحة والتعليم والتعليم العالي، في مشهد يعكس عمق الاختلال الاقتصادي الذي خلفته الحرب وتداعياتها. ولم تعد مطالب العاملين تدور فقط حول تحسين الأجور، وإنما أصبحت مرتبطة بالقدرة على البقاء والاستمرار في أداء الوظيفة العامة.
القطاع الصحي
في القطاع الصحي، دخل أطباء طب الأسرة والعاملون الصحيون في المراكز الصحية بولاية الخرطوم إضراباً استمر لأسابيع، مطالبين بتحسين الرواتب والحوافز، وتسريع إجراءات الترقيات، وتسوية أوضاع العاملين بعقود. ووفق توثيق لجنة العدالة، جاء الإضراب بينما يواصل العاملون الصحيون أداء أدوارهم في إعادة تشغيل المرافق الصحية في ظروف الحرب الصعبة. المفارقة أن القطاع الصحي هو الأكثر حاجة إلى الاستقرار في بلد أنهكته الحرب والنزوح وانتشار الأمراض ونقص الأدوية، لكن العاملين فيه أصبحوا أنفسهم ضحايا للأزمة الاقتصادية. فالطبيب الذي لا يستطيع راتبه تغطية تكاليف المواصلات والغذاء والسكن، لا يمكن مطالبته بأن يتحمل إلى ما لا نهاية انهيار النظام الصحي، خصوصاً في ظل بيئة عمل تفتقر في كثير من الأحيان إلى المعدات والأدوية والكوادر. إن إضراب الأطباء والعاملين الصحيين لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد نزاع حول الأجور، بل باعتباره إنذاراً بشأن قدرة الدولة على الحفاظ على الخدمة الصحية نفسها.
قطاع التعليم
وفي التعليم، تبدو الصورة أكثر قسوة. فقد شهدت ولايات مختلفة إضرابات متتالية للمعلمين احتجاجاً على تأخر الرواتب وتراكم المستحقات وتدهور القوة الشرائية للأجور. في ولاية كسلا، أضرب نحو 11 ألف معلم في يونيو 2026 للمطالبة بسداد المستحقات المتأخرة وزيادة الأجور، ما أثر على أكثر من 800 مدرسة. وأفادت التقارير بأن نسبة المشاركة تجاوزت 95% في الولاية.
وفي الخرطوم، شهدت نحو 100 مدرسة إضراباً في مايو احتجاجاً على عدم صرف الرواتب والمتأخرات وتدهور الأوضاع المعيشية. أما في الجزيرة، فقد لجأ المعلمون إلى إضراب مرحلي احتجاجاً على الظروف الاقتصادية والمهنية، مع الإشارة إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة والمواصلات أصبح عائقاً أمام وصول المعلمين إلى أماكن عملهم. وفي سبتمبر، أظهرت تقارير صحفية حجم التآكل الذي أصاب دخول المعلمين؛ إذ نقلت الجزيرة عن لجنة المعلمين السودانيين أن القيمة الحقيقية للأجور تراجعت بأكثر من 90%، وأن المتأخرات في بعض الولايات وصلت إلى 14 شهراً. وهنا يصبح السؤال أكبر من قضية راتب المعلم: كيف يمكن بناء مستقبل بلد إذا كان من يصنعون مستقبل أطفاله غير قادرين على تأمين حاضرهم؟
التعليم الجامعي
لم تكن الجامعات بمنأى عن الانهيار. ففي مارس 2026، بدأ آلاف أساتذة الجامعات الحكومية إضراباً شاملاً في أكثر من 30 جامعة، احتجاجاً على تدني الرواتب وتدهور ظروف العمل، مطالبين بهيكل راتبي جديد ولائحة لشروط الخدمة. ووصلت نسبة المشاركة في اليوم الأول، بحسب لجنة أساتذة الجامعات السودانية، إلى ما بين 95 و100% في المؤسسات المشمولة بالإضراب. كما استمر النزاع حول الأجور وشروط الخدمة لعدة أشهر قبل تعليق الإضراب لاحقاً لإتاحة المجال للتفاوض.
الحكومة من جانبها أعلنت عن تخصيص 21 مليار جنيه في موازنة 2026 لتحسين أوضاع العاملين في مؤسسات التعليم العالي، فيما رفضت لجنة الأساتذة المبلغ باعتباره لا يعالج جوهر مطلبها المتعلق بهيكل الأجور وشروط الخدمة. وفي 31 مارس، أعلنت الحكومة كذلك عن خطة لزيادة مرتبات هيئة التدريس والكوادر المساعدة بنسبة 100%، مع العمل على إجازة شروط خدمة جديدة.
لكن مجرد صدور الوعود والقرارات لا يعني انتهاء الأزمة. فالمشكلة الأساسية تتمثل في قدرة الدولة على تنفيذ ما تقرره، في ظل اقتصاد أنهكته الحرب وتراجعت فيه قيمة العملة وارتفعت تكلفة المعيشة بصورة تفوق قدرة العاملين على الاحتمال.
عندما يصبح الإضراب لغة
المشهد الحالي يكشف عن أزمة أعمق من مجرد خلاف بين العاملين والحكومة. عندما يضرب الطبيب، يتوقف جزء من الخدمة الصحية. وعندما يضرب المعلم، تتعطل المدارس. وعندما يضرب أستاذ الجامعة، تتوقف العملية الأكاديمية. وبذلك يصبح الإضراب مؤشراً على أن الدولة نفسها بدأت تفقد قدرتها على تمويل وظائفها الأساسية.
هذه القطاعات الثلاثة ليست قطاعات هامشية يمكن تعويضها بسهولة. إنها الأعمدة التي تقوم عليها أي دولة حديثة: الصحة، والتعليم العام، والتعليم العالي. وإذا استمر تدهور الأجور وعدم انتظام المرتبات، فإن الخطر لا يتمثل فقط في توقف العمل مؤقتاً، وإنما في خروج الكفاءات من الخدمة العامة، والهجرة، والبحث عن مصادر دخل بديلة، وهو ما يهدد بفقدان الدولة لجزء من رأس مالها البشري.
اقتصاد الحرب
لا يمكن فصل أزمة الأجور عن الاقتصاد الذي أنتجته الحرب. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعرضت مؤسسات الدولة والبنية الإنتاجية والخدمات العامة لضغوط هائلة، فيما أصبحت الموارد العامة موزعة بين متطلبات الحرب والإنفاق الإداري ومحاولات إعادة تشغيل المؤسسات في المناطق المتضررة.
لكن استمرار الأزمة لا يعني أن العاملين يستطيعون الانتظار بلا نهاية. فالمعلم لا يستطيع تأجيل شراء الغذاء. والطبيب لا يستطيع تأجيل إيجار منزله. وأستاذ الجامعة لا يستطيع دفع تكاليف المواصلات بوعد بزيادة مستقبلية. لهذا فإن اتساع دائرة الإضرابات يحمل رسالة اقتصادية واضحة: الأجر الذي لا يواكب تكلفة الحياة يتحول عملياً إلى توقف عن العمل، حتى وإن ظل الموظف رسمياً على رأس وظيفته.
شلل الاقتصادي..
الاقتصاد السوداني لا يواجه أزمة في الأسواق وحدها؛ الأزمة امتدت إلى علاقة الدولة بموظفيها. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالأسواق تستطيع أن تتكيف جزئياً مع ارتفاع الأسعار، والتاجر يستطيع تغيير سعر السلعة، والمستهلك يستطيع تقليل مشترياته، لكن المستشفى والمدرسة والجامعة لا تستطيع ببساطة أن ترفع أسعار خدماتها لتعويض انهيار الرواتب. وحين تفشل الدولة في تمويل هذه المؤسسات، يدفع المواطن الثمن مرتين: مرة من خلال الضرائب والارتفاع الجنوني في الأسعار، ومرة أخرى عندما يجد نفسه أمام مدرسة مغلقة أو مركز صحي متوقف أو جامعة عاجزة عن استكمال عامها الأكاديمي.
إنقاذ الخدمات
السودان لا يحتاج إلى مزيد من البيانات التي تعد العاملين بتحسين أوضاعهم فقط، بل يحتاج إلى سياسة اقتصادية تعيد الاعتبار للعمل والراتب والخدمة العامة. معالجة أزمة الأجور ليست ترفاً، وليست مطلباً نقابياً ضيقاً. إنها جزء من إنقاذ الدولة نفسها. فالطبيب الذي يغادر المستشفى، والمعلم الذي يترك المدرسة، والأستاذ الذي يتوقف عن التدريس، لا يمكن تعويضهم بقرار إداري.
وإذا كان الاقتصاد قد دخل مرحلة الشلل، فإن أول خطوة للخروج منها يجب أن تبدأ بإعادة تشغيل الإنسان قبل المبنى، وإعادة قيمة العمل قبل قيمة العملة. لقد كشفت الإضرابات المتتالية أن الأزمة لم تعد في قدرة السودانيين على تحمل الحرب فقط، وإنما في قدرة مؤسسات الدولة على الاستمرار. وعندما يتوقف من يعالجون الناس، ومن يعلّمون أبناءهم، ومن يصنعون المعرفة، فإن الرسالة تصبح واضحة: الأزمة الاقتصادية لم تعد أزمة أرقام، بل أزمة دولة ومستقبل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.