بين مطرقة الأجور الميتة وسندان المهلة القسرية: معضلة الموظفين السودانيين بالخارج

تقرير ـ عين الحقيقة

تتوالى القرارات الحكومية لتضع الموظفين والعاملين بالدولة أمام امتحانات قاسية، خصوصاً أولئك الذين دفعتهم الحرب والانهيار الاقتصادي إلى مغادرة البلاد والبحث عن مصادر دخل تضمن لهم ولأسرهم الحد الأدنى من الاستقرار.
وتزداد المعضلة تعقيداً مع التوجيهات التي تمنح الموظفين الموجودين خارج السودان مهلة لا تتجاوز 45 يوماً للعودة، في وقت تبدو فيه الوظيفة العامة داخل البلاد عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الدخل الذي يسمح للموظف بإعالة أسرته.
أرقام لا تكذب
على الورق، قد تبدو أرقام الرواتب الحكومية كبيرة بسبب التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية، لكن قيمتها الحقيقية تتكشف عند مقارنتها بالأسعار والقدرة الشرائية.
فالموظف الذي يتقاضى راتباً محلياً لا يكفي لتغطية احتياجات أسرته الأساسية يجد نفسه أمام معادلة صعبة: العودة إلى وظيفة حكومية براتب متآكل، مقابل التخلي عن مصدر دخل تمكن من الحصول عليه خارج البلاد. المشكلة هنا ليست في الرقم المكتوب في شهادة الراتب، وإنما في القيمة الفعلية لهذا الراتب وقدرته على توفير الغذاء والسكن والمواصلات والتعليم والعلاج وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
مقارنة تكشف حجم الفجوة
في دول مثل المملكة العربية السعودية، يمكن لبعض الوظائف والمهن أن توفر دخلاً يتراوح بين 4 و5 آلاف ريال سعودي، بحسب المهنة والخبرة وصاحب العمل.
وبالنسبة لموظف سوداني تمكن من بناء مصدر دخل مستقر خارج البلاد، فإن العودة لا تعني ببساطة تغيير مكان العمل؛ بل قد تعني التخلي عن دخل قائم ومصدر إعالة للأسرة، مقابل العودة إلى وظيفة حكومية لا توفر، في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، دخلاً مماثلاً. وهنا تظهر الفجوة الحقيقية بين القرار الإداري والواقع المعيشي.
45 يوماً لا تكفي لحل معادلة معقدة
من الصعب اختزال وضع آلاف الموظفين في مهلة زمنية واحدة، لأن ظروفهم تختلف: بعضهم لديه أسر مستقرة في الخارج، وآخرون فقدوا مساكنهم أو مصادر دخلهم داخل السودان، فيما يعتمد آخرون على الوظائف التي حصلوا عليها خارج البلاد لإعالة أسرهم وأقاربهم.
لذلك فإن العودة بالنسبة لكثيرين ليست مجرد شراء تذكرة والعودة إلى المكتب، وإنما قرار قد يترتب عليه فقدان الوظيفة الخارجية، وتغيير مكان إقامة الأسرة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وربما العودة إلى دائرة الفقر من جديد.
بين العودة والاستقالة
أمام هذه المعادلة، يجد الموظف نفسه أمام خيارات صعبة: إما أن يعود إلى وظيفته الحكومية، متحملاً الفارق الكبير بين دخله الحالي ودخله المتوقع داخل السودان، أو أن يواصل البقاء خارج البلاد معرضاً لفقدان وظيفته الحكومية، أو أن يتجه إلى الاستقالة نهائياً حفاظاً على مصدر دخله واستقرار أسرته.
وهنا يبرز سؤال أكبر من مجرد قرار العودة: هل يمكن مطالبة الموظف بالعودة إلى الوظيفة العامة قبل معالجة أزمة الأجور نفسها؟ فالاحتفاظ بالكفاءات داخل الخدمة المدنية لا يعتمد فقط على القرارات الإدارية، وإنما يحتاج أيضاً إلى بيئة عمل قادرة على توفير دخل يحفظ للموظف الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
يجب مراجعة الواقع
قضية الموظفين الموجودين خارج السودان تحتاج إلى معالجة واقعية تراعي ظروف الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي، وتفرق بين من غادر البلاد بحثاً عن حياة أفضل، ومن اضطر إلى مغادرتها بسبب الحرب أو انعدام الأمن أو فقدان مصدر رزقه.
وقد يكون من الضروري فتح نقاش حول خيارات أكثر مرونة، مثل منح مهلة أطول للحالات الخاصة، أو إتاحة العمل عن بُعد حيثما تسمح طبيعة الوظيفة، أو وضع ترتيبات استثنائية لمن لديهم التزامات أسرية خارج البلاد، بالتزامن مع إصلاح حقيقي للأجور.
فالوظيفة الحكومية لا ينبغي أن تتحول إلى عقوبة، كما أن قرار العودة لا يمكن أن يكون منفصلاً عن السؤال الأهم: كيف سيعيش الموظف وأسرته بعد عودته؟
إن معالجة أزمة الخدمة المدنية تبدأ من الاعتراف بحقيقة الأرقام، وإعادة بناء قيمة الأجر، وخلق ظروف تجعل العودة خياراً قابلاً للحياة، لا مخاطرة قد تدفع الموظف إلى الفقر أو الاستقالة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.