لم تعد الحرب في شمال إثيوبيا مجرد مواجهة بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF). فمنذ اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر 2022، دخلت تيغراي مرحلة من التحولات السياسية والعسكرية انتهت إلى ظهور قوات السلام في تيغراي (TPF) كقوة مسلحة تقاتل إلى جانب القوات الفيدرالية ضد القوات المرتبطة بالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.
ومع تجدد القتال في سبتمبر 2026، أصبحت هذه التحولات السابقة جزءًا من المشهد العسكري الجديد في الإقليم.
اتفاق بريتوريا وما بعده
أنهى اتفاق بريتوريا، الموقع في نوفمبر 2022، الحرب التي استمرت عامين بين الحكومة الفيدرالية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، لكنه ترك قضايا أساسية دون تسوية، بينها الأراضي المتنازع عليها ونزع السلاح وإعادة الإدماج السياسي والأمني.
وفي مارس 2023 تشكلت الإدارة الانتقالية في تيغراي برئاسة غيتاتشو ريدا. وسرعان ما ظهر خلاف بين معسكر غيتاتشو وقيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بزعامة دبرتسيون قبرميكئيل حول إدارة المرحلة الانتقالية والعلاقة مع الحكومة الفيدرالية.
تغيير القيادة وظهور قوات السلام
تصاعد الخلاف خلال 2025، وانتهى في أبريل بإقالة غيتاتشو وتولي تادسي وريدي، القائد السابق لقوات دفاع تيغراي (TDF)، رئاسة الإدارة الانتقالية. وجاء التغيير في وقت كانت فيه قضايا الأراضي ونزع السلاح والترتيبات السياسية لا تزال دون حل.
وفي العام نفسه ظهرت قوات السلام في تيغراي (TPF)، وضمت مقاتلين وشخصيات محلية معارضة لقيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. وبحسب «معهد ريفت فالي»، تلقت القوة دعمًا ضمنيًا من السلطات الفيدرالية، وبدأت تحركاتها من مناطق في عفر باتجاه تيغراي.
من عفر إلى المواجهة
في يوليو 2025 اندلعت اشتباكات بين قوات السلام وقوات دفاع تيغراي في وجيرات، ثم امتدت المواجهات إلى مناطق أخرى على الحدود بين عفر وتيغراي.
وخلال الأشهر التالية، اتسع حضور قوات السلام داخل تيغراي، خصوصًا بعد انضمام مسؤولين محليين ومقاتلين وشرطيين إليها. ويشير «معهد ريفت فالي» إلى أن هذا التوسع عكس اتساع المعارضة المحلية لهيمنة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وليس مجرد مواجهة عسكرية على الحدود.
التعاون العسكري مع أديس أبابا
بحلول مطلع 2026، أصبح التعاون بين قوات السلام والقوات الفيدرالية أكثر وضوحًا. ووفق «معهد ريفت فالي»، شاركت القوات الفيدرالية في عمليات ضد قوات دفاع تيغراي في مناطق الحدود خلال يناير وفبراير، مع استخدام المسيّرات والمدفعية إلى جانب قوات السلام.
وفي الوقت نفسه، ظلت طبيعة التمويل المباشر لقوات السلام موضع خلاف. ففي أغسطس 2025 نقل «المعهد الدولي للسلام» روايات تتحدث عن تمويل حكومي لرواتب مقاتلي القوة، بينما نفت قيادتها ذلك وقالت إن التمويل يأتي من مؤيدين في الشتات.
الطريق إلى الحرب
لم تنهِ الترتيبات السياسية والعسكرية الجديدة التوتر داخل تيغراي أو مع الحكومة الفيدرالية. ومع استمرار الخلافات حول الأراضي ووضع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والترتيبات الأمنية، تصاعدت المواجهات خلال 2026.
وفي سبتمبر اندلع القتال مجددًا على نطاق واسع. وأفادت رويترز بأن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي دخلت مواجهة جديدة مع الحكومة الفيدرالية، بالتزامن مع خلافات داخلية واحتجاز عدد من القادة العسكريين الذين اعترضوا على العودة إلى الحرب.
قوات السلام في الحرب الجديدة
مع تجدد الحرب، أصبحت قوات السلام جزءًا من القوات المتحالفة مع الحكومة الفيدرالية في مواجهة القوات المرتبطة بالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.
وفي 28 سبتمبر، أفادت رويترز بأن القوات الموالية للحكومة سيطرت على ألاماتا، ونقلت عن مصادر دبلوماسية أن قوات السلام كانت ضمن القوى المشاركة في العملية، مع عدم تمكن الوكالة من التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل السيطرة الميدانية.
وفي 2 أكتوبر، أعلنت قوات السلام سيطرتها على ميلازات قرب مقلي. وقالت رويترز إن القوات الفيدرالية وحلفاءها كانوا يتقدمون باتجاه عاصمة الإقليم، بينما لم تتمكن الوكالة بصورة مستقلة من التحقق من جميع تفاصيل السيطرة الميدانية.
خريطة جديدة
أنتجت مرحلة ما بعد بريتوريا واقعًا سياسيًا وعسكريًا مختلفًا في تيغراي. فقد بقيت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في قلب الصراع السياسي، فيما ظلت قوات دفاع تيغراي القوة العسكرية المرتبطة بها، بينما تحولت قوات السلام إلى قوة مسلحة تتعاون مع الحكومة الفيدرالية.
ومع عودة القتال، لم تعد الخلافات التي ظهرت بعد اتفاق بريتوريا محصورة في إدارة المرحلة الانتقالية، بل أصبحت جزءًا من الصراع العسكري نفسه، لتتداخل المواجهة بين تيغراي والحكومة الفيدرالية مع صراع داخلي على القيادة والنفوذ ومستقبل الإقليم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.