تستمر الحرب في السودان في التهمام الأخضر واليابس، مخلفة وراءها أزمة إنسانية هي الأكبر عالمياً، ودماراً طال كافة المقومات الأساسية للحياة. ومع كل يوم يمر من عمر هذا الصراع، يتزايد تساؤل الشارع السوداني وتتصاعد حيرته المشروعة: لماذا تعجز القوى السياسية والمدنية عن توحيد صفوفها وجمع كلمتها حول هدف واحد ومصيري هو إيقاف الحرب؟
إن البحث عن إجابة لهذا السؤال المؤرق يكشف عن التعقيدات والانسدادات التي تحول دون قيام جبهة مدنية وسياسية عريضة ومتماسكة تقود مبادرات السلام بثقل حقيقي، وتتلخص أبرز هذه الأسباب في المحاور التالية:
غياب الثقة والاستقطاب الحاد: تعاني الساحة السياسية من تركة ثقيلة من التخوين والشكوك المتبادلة بين الكتل والكيانات المختلفة، حيث طغى الخطاب الإقصائي والمواقف الأيديولوجية المتشنجة على حساب البحث عن مساحات مشتركة لإنقاذ الوطن.
تضارب الأجندات والطموحات الحزبية: تحاول بعض الأطراف تقديم حسابات المكاسب السياسية الضيقة، وتصورات ما بعد الحرب، على الأولوية القصوى المتمثلة في الوقف العاجل لإطلاق النار وحماية أرواح المواطنين.
تعدد المبادرات وتشتت الجهود: أدّت حالة التشرذم إلى ظهور منصات وتحالفات متعددة وموازية، تدعو جميعها إلى إنهاء الحرب ولكن برؤى وآليات متباينة، مما أضعف التأثير الجمعي للضغط المدني أمام الطرفين المتحاربين وأمام المجتمع الدولي.
الضغوط والتأثيرات الخارجية: يسهم الارتهان للمحاور الإقليمية والدولية وتفاوت تقاطع المصالح الخارجية مع القوى الداخلية في تعميق الانقسام، ويجعل من اتخاذ قرار وطني مستقلي وموحد أمراً بالغ الصعوبة.
استمرار خطابات التحريض وإشعال الحرب: تواصل أطراف محسوبة على النظام السابق وكيانات مختلفة تغذية الخطاب الحربي والترويج لاستمرار المواجهة المسلحة، مما يضع العراقيل أمام أي صوت مدني ينادي بالحوار والحل السلمي.
إن القوى السياسية والمدنية في السودان تقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية غير قابلة للتأجيل. إن إيقاف الحرب والحد من معاناة الملايين لن يتحققا عبر التراشق الإعلامي أو التمسك بالمواقف الصفريّة، بل عبر تنازلات شجاعة، وحوار سوداني-سوداني شفاف يضع كرامة المواطن وحق الأطفال في الحياة والأمان فوق كل اعتبار سياسي أو حزبي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.