معركة الشرعية والدبلوماسية في أروقة جنيف!!

أشرف عبدالعزيز

​تعكس الإجراءات الأخيرة المتعلقة بإيداع مشروع القرار المسمى بالاستجابة لأزمة حقوق الإنسان والأزمة الإنسانية الناجمة عن النزاع المسلح الدائر في السودان ضمن أعمال مجلس حقوق الإنسان بجنيف، التناقضات الحادة والتعقيدات المشابكة للمشهد الدولي المحيط بالصراع.
وتتجسد المفارقة البارزة في هذه المناقشات في كونه بالرغم من أن الجزء الأكبر والنسبة العظمى من التجاوزات والانتهاكات الموثقة ميدانياً توجّه بوضوح ضد قوات الدعم السريع، إلا أن أروقة الجلسات شهدت ملاسنات وسجالات حادة ومواجهات دبلوماسية متوترة قادها الوفد الرسمي السوداني ضد القائمين على مشروع القرار.
​تفسّر هذه التوترات بالأساس بالهواجس السيادية التي تحكم موقف السلطات الرسمية في السودان ، فالاعتراضات الحادة الصادرة عن الوفد الحكومي لم تكن تنبع من التنازع حول حجم الجرائم المرتكبة على الأرض، بل من الحساسية المفرطة تجاه الصياغات القانونية والسياسية التي تحاول مساواة المؤسسة العسكرية بغيرها من الفصائل المسلحة.
وتبدو نقطة الخلاف الجوهرية محصورة في المساس بمسألة الشرعية، لا سيما مع استخدام مصطلحات تتجنب الإشارة الصريحة إلى الحكومة الرسمية واستبدالها بعبارات مجردة مثل السلطات، وهو ما يراه الوفد السوداني استهدافاً دبلوماسياً ممنهجاً يهدف إلى تجريد الدولة من غطائها السيادي والاعتراف الدولي على المنصات الأممية.
​على الطرف الآخر، تتجلى تعقيدات هذا المشهد حقوقياً عبر الأدوار التي يضطلع بها الفاعلون الأمميون، وفي مقدمتهم الخبير المستقل لحقوق الإنسان رضوان نويصر، الذي توجّه إليه اتهامات متكررة من قِبل أطراف النزاع، ولا سيما قوات الدعم السريع، بالتحامل وعدم الحياد. حيث ترى تلك القوات أن التقارير الميدانية والإفادات التي يرفعها للآليات الأممية تركّز بحدة على تجاوزاتها وتغفل أو تخفف من انتهاكات الأطراف الأخرى، ممّا يجعلها تنظر للآليات الحقوقية كأدوات منحازة تستخدم ضغطاً سياسياً عليها.
​تُظهر هذه الشواهد مجتمعةً كيف تتحول المنصات الحقوقية الدولية من سياق التقييم الإنساني والعدلي المجرد إلى ساحة للصراع الدبلوماسي الشرس، فبينما خاضت القوات المسلحة والسلطات السودانية معركة حامية لمنع سلب الشرعية وتعديل صياغة المسميات الدولية، كانت قوات الدعم السريع تنظر للتقارير والخبير الأممي بعين الريبة والاتهام بالتحامل، لتظل القضية الأساسية المتمثلة في معاناة المدنيين محاصرة بين التجاذبات السياسية وحسابات النفوذ والشرعية في المحافل الدولية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.