تؤكد التحركات والمواقف الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية تجاه الأزمة السودانية أن الإدارة الأمريكية أضحت تعتمد منهجاً براغماتياً صارماً؛ فالوجود الدبلوماسي أو اللقاءات الشكليّة لم تعد بالنسبة لواشنطن غاية قائمة بذاتها، بل أصبحت ترتبط مستويات انخراطها المباشر وبشكل شرطي بما يمكن أن تثمر عنه أي زيارة أو تواصل من نتائج سياسية وعملية ملموسة، وفي مقدمتها الإيقاف الفعلي للحرب وفتح مسار قابل للتنفيذ نحو التسوية السياسية.
إن التدقيق في طبيعة العلاقات الراهنة بين قيادة الجيش السوداني والولايات المتحدة يُظهر أن المشكلة القائمة بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان وواشنطن تجاوزت حدود “أزمة الاتصال” أو قنوات التواصل، لتستقر كـ “أزمة ثقة متراكمة” أثرت بشكل مباشر على شكل التعاطي الأمريكي مع القيادة العسكرية.
وتتجلى أبعاد هذه الأزمة ومحددات الموقف الأمريكي في عدة نقاط رئيسية: تراكم أزمة الثقة وفرض العقوبات: أقدمت وزارة الخارجية الأمريكية في يناير 2025 على فرض عقوبات شخصية على البرهان، وهي خطوة تعكس عمق التوتر والموقف الحاسم للإدارة الأمريكية تجاه إدارة الصراع.
ربط العقوبات بالانتهاكات الإنسانية: استند القرار الأمريكي لفرض العقوبات إلى ما وصفته واشنطن بالانتهاكات المتواصلة التي ارتكبتها القوات المسلحة السودانية تحت قيادته، واستهداف المدنيين والمنشآت المدنية، وتنفيذ عمليات إعدام، بما يخالف قواعد القانون الدولي الإنساني.
التنصل من التزامات إعلان جدة: ترى الإدارة الأمريكية أن القيادة العسكرية أبدت تجاهلاً مستمراً للتعهدات والالتزامات الصريحة التي قُدمت في “إعلان جدة” والمتعلقة بحماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية.
الانتقال من الوعود إلى “النتائج العملية”: تشترط واشنطن اليوم وجود خطوات حقيقية وملموسة على الأرض لتغيير نمط التعاطي الدبلوماسي، مؤكدة أن الحوار لن يكون لمجرد العلاقات العامة بل لتحقيق اختراق فعلي ينهي القتال.
إن تجديد واشنطن لمواقفها الحاسمة يرسل إشارة واضحة مفادها أن استعادة الثقة مع المجتمع الدولي لا تضمنها التصريحات، بل تتطلب خطوات عمليّة وجادّة بوقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والالتزام الصارم بالاتفاقيات والتعهدات المبرمة، وفتح الطريق أمام عملية سياسية شاملة تُنهي المعاناة الإنسانية للجمهور السوداني.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.