من ست الشاي إلى الأمم المتحدة: رحلة البحث عن الرئاسة

السفير عادل إبراهيم مصطفى

يبدو أن حلم الفريق عبد الفتاح البرهان بأن يصبح رئيساً قد خرج من كونه طموحاً سياسياً، وتحول إلى عرض كوميدي مفتوح؛ عرض لا يحتاج إلى مسرح واحد، لأن مسارحه صارت كثيرة.
مرةً في مسرح ستات الشاي، وأخرى بجوار بائعات الزلابية، وثالثة في المساجد، ورابعة في بيوت المآتم، وأخيراً على مسرح حفلة الراب في إستاد الخرطوم.
ويبدو واضحاً أن مجرد الظهور أمام الناس أصبح، في حد ذاته، رسالة قائد الجيش إلى الشعب المنكوب به؛ وكأن المشهد صار أهم من مضمونه، والصورة أهم من الفعل، والظهور أهم من المسؤولية.
ولذلك لم يعد مستغرباً تنقّل قائد الجيش من مناسبة إلى أخرى، ومن جمهور إلى آخر، وكأنه يخوض حملة مفتوحة لإثبات حضوره، أو لإقناع نفسه ومؤيديه بأنه الرئيس الذي خلف عمر البشير.
لكن ما يبدو أنه لا يريد إدراكه هو أن الرئيس لا يصبح رئيساً بكثرة الصور، ولا بكثرة الظهور وسط الناس، ولا بعدد الميكروفونات التي تُمد إليه. فالرئاسة ليست زياً يُرتدى أمام الكاميرات، ولا لقباً يحتاج صاحبه إلى تكراره باستمرار حتى يصدقه الآخرون.
والأكثر إثارة للسخرية ما جرى في إستاد الخرطوم، حين ظهر بصورة مفاجئة في فعالية موسيقية شبابية، في محاولة لنفي ما أُثير حول سفره إلى نيويورك لمخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وهنا تبرز المفارقة: لماذا يبدو الوصول إلى منصة الأمم المتحدة مهماً إلى هذا الحد؟ هل لأن مخاطبة الجمعية العامة يمكن أن تمنح صاحبها شيئاً من الشرعية التي يفتقدها في الداخل؟ أم لأن مجرد الوقوف على تلك المنصة يمثل، في نظره ونظر مؤيديه، دليلاً على أنه أصبح “رئيساً” بالفعل؟.
لقد سبق للبرهان أن خاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2024، بصفته رئيس مجلس السيادة الانتقالي. لكن السؤال الذي كان ينبغي أن يُطرح منذ ذلك الوقت هو: هل منحت تلك المخاطبة شرعية سياسية جديدة للسلطة التي نشأت بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021؟ وهل غيّرت من حقيقة أن الأمم المتحدة نفسها وصفت ذلك الحدث بأنه انقلاب عسكري ودعت إلى استعادة الترتيبات الدستورية والعملية الانتقالية؟ وهل استطاعت تلك المنصة أن تنهي الأزمة السياسية، أو توقف الحرب، أو تضع حداً لمعاناة السودانيين؟.
بالطبع لا.
فالظهور في المحافل الدولية لا يصنع وحده شرعية سياسية، كما أن مخاطبة الجمعية العامة لا تحوّل واقعاً سياسياً متنازعاً عليه إلى تفويض شعبي. والأمم المتحدة، بحكم طبيعة النظام الدولي، تتعامل مع الحكومات والسلطات القائمة بحكم الأمر الواقع في عدد من الحالات، ولا يعني ذلك بالضرورة أنها أقرت الطريق الذي وصلت به تلك السلطات إلى الحكم أو منحتها تفويضاً شعبياً.
وهنا تكمن إحدى مفارقات النظام الدولي: فالأمم المتحدة تستطيع إدانة الانقلاب والدعوة إلى استعادة المسار الدستوري، كما فعلت في السودان، لكنها تظل مضطرة في الوقت نفسه إلى التعامل مع السلطة القائمة باعتبارها الجهة التي تملك السيطرة الفعلية على مؤسسات الدولة.
أما الاتحاد الأفريقي، فله موقف أكثر وضوحاً من مسألة الوصول غير الدستوري إلى السلطة. فالمادة 30 من القانون التأسيسي للاتحاد تنص على أن الحكومات التي تصل إلى السلطة بوسائل غير دستورية لا يُسمح لها بالمشاركة في أنشطة الاتحاد. وعلى هذا الأساس عُلّقت مشاركة السودان عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، وظل الاتحاد يربط رفع التعليق باستعادة النظام الدستوري.
وهكذا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً: يمكن للبرهان أن يقف على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأن يخاطب ممثلي دول العالم، لكن ذلك لا يعني أن المنصة نفسها منحته الشرعية التي يبحث عنها. فالاعتراف بالتعامل مع سلطة قائمة بحكم الأمر الواقع شيء، ومنحها شرعية سياسية ناتجة عن تفويض شعبي أو انتقال دستوري شيء آخر تماماً.
ومن هنا، يبدو أن القضية لم تعد قضية سفر إلى نيويورك، ولا قضية صورة على منصة دولية، ولا حتى قضية إثبات القدرة على مخاطبة العالم. القضية الحقيقية هي: كيف وصل الرجل إلى السلطة؟ وما الذي فعله بهذه السلطة؟ وإلى أين قاد البلاد؟.
فالشرعية لا تُقاس بعدد المنصات التي يقف عليها الحاكم، وإنما بقدرته على احترام إرادة الشعب، وصيانة مؤسسات الدولة، والاحتكام إلى الدستور، وفتح الطريق أمام انتقال سياسي يفضي إلى سلطة تستمد مشروعيتها من السودانيين.
أما الإصرار على مطاردة صورة “الرئيس” في كل مكان، فيبدو أقرب إلى محاولة مستمرة لإثبات الذات منه إلى ممارسة طبيعية لمسؤولية الدولة.
الرئيس الذي يثق بشرعيته لا يحتاج إلى مطاردة صورة الرئيس في كل مكان.
أما الذي يشعر أن الرئاسة تحتاج إلى إثبات مستمر، فقد يجد نفسه مضطراً إلى البحث عنها في كل مكان: عند ست الشاي، وعند بائعة الزلابية، وفي المسجد، وفي المأتم، وفي حفلة الراب، وربما غداً في طابور الرغيف، أو أمام ماكينات الـATM!!.
وهكذا يتحول السودان إلى خلفية لصورة، والشعب إلى جمهور، والمناسبات إلى مسارح، والمنصب إلى دور تمثيلي طويل.
ويبقى السؤال الذي لا يريد أحد أن يطرحه في هذا العرض الكوميدي:
بعد أن أثبت لنا أنه الرئيس… متى سيبدأ في القيام بعمل الرئيس؟.
فالسودان لا يحتاج إلى رئيس يثبت في كل مناسبة أنه رئيس، وإنما يحتاج إلى دولة تستعيد مؤسساتها، وسلطة تستمد شرعيتها من شعبها، وطريق سياسي يضع حداً للحرب ويفتح الباب أمام السلام والديمقراطية.
وخلاصة الأمر أن السودان لن يستقيم ما دام البرهان مصراً على فرض نفسه رئيساً على السودانيين؛ فمكان من يحكم السودان يجب أن تحدده إرادة شعبه ودستوره، أما مكان من تُثار حوله المسؤولية عن الانتهاكات والجرائم، فليس منصات الاحتفالات ولا ميكروفونات المناسبات، وإنما ساحات العدالة و المحاكم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.