حرب اقتصادية منظمة.. هل يدفع الإخوان السودانيين إلى حافة الجوع؟

تقرير: عين الحقيقة

لم تعد معاناة السودانيين مجرد نتيجة جانبية لحرب عسكرية دمّرت المدن وشردت الملايين، بل أصبحت الأزمة الاقتصادية نفسها جبهة أخرى تستنزف حياة المواطنين، وتضعهم أمام معركة يومية من أجل الغذاء والدواء والمواصلات والكهرباء. فمن انهيار الجنيه السوداني إلى الارتفاع الجنوني للأسعار، ومن إغلاق الأسواق وتعطل المصانع إلى عجز الموظفين عن شراء احتياجات أسرهم، تتسع دائرة الفقر بينما تتراجع قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة. وفي قلب هذه المأساة يبرز سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: هل يجري توظيف الاقتصاد وأدوات الدولة لإخضاع المجتمع وإجباره على تحمل حرب لا نهاية واضحة لها، أم أن البلاد تدفع ثمن سياسات اقتصادية فاشلة تفاقمت بفعل الحرب؟
اتهامات
تتهم قوى مدنية وخصوم سياسيون لشبكات النظام السابق الحركة الإسلامية وواجهاتها المرتبطة بنظام عمر البشير بالسعي إلى إعادة إنتاج نفوذها عبر استمرار الحرب وإضعاف فرص التحول المدني. وفي هذا السياق، يذهب منتقدون إلى أن الضغوط الاقتصادية لم تعد مجرد أزمة معيشية، بل تحولت إلى عامل يهدد استقلال المواطن ويستنزف قدرته على الاحتجاج والمطالبة بالسلام. لكن، أياً كانت التفسيرات السياسية، فإن الوقائع المعيشية تكشف عن أزمة عميقة تستوجب مساءلة السلطات عن سياساتها المالية، وإدارة الموارد العامة، وأولويات الإنفاق، وقدرتها على حماية المواطنين من الانهيار الاقتصادي.
المواطن يدفع الفاتورة
الباحث الاقتصادي معتصم النور ذهب قائلاً: لم يعد انهيار العملة السودانية مجرد أزمة نقدية يمكن احتواؤها بإجراءات مصرفية مؤقتة، بل أصبح محركاً أساسياً للفقر وتآكل الدخول واتساع رقعة العوز. في 23 سبتمبر 2026، أفادت صحيفة «سودان تريبيون» بأن التضخم السنوي بلغ 26.14% في أغسطس، بينما وصل التضخم في المناطق الحضرية إلى 38.05%، مقابل 19.26% في المناطق الريفية. وجاء ذلك وسط تقلبات حادة في سعر الصرف وارتفاع أسعار الغذاء والرعاية الصحية والنقل والسكن. وفي 29 سبتمبر، تجاوز سعر الدولار 8 آلاف جنيه سوداني في السوق الموازية، بالتزامن مع عودة صفوف الانتظار أمام محطات الوقود وارتفاع تكاليف النقل والسلع الأساسية.
ويمضي: هذه الأرقام تعني أن الموظف الذي يتقاضى راتباً ثابتاً يفقد جزءاً من قدرته الشرائية كلما ارتفعت الأسعار، وأن الأسر التي كانت بالكاد تستطيع تدبير احتياجاتها أصبحت مضطرة إلى الاستغناء عن بعضها. تبدأ المأساة بتقليل الوجبات، ثم تأجيل العلاج، ثم إخراج الأطفال من المدارس، وصولاً إلى الاستدانة لتوفير الغذاء. وهكذا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى سلسلة متصلة من الخسائر الإنسانية والاجتماعية. والأخطر أن هذا الانهيار لا يضرب الفقراء وحدهم، بل يهدد بتدمير الطبقة الوسطى، التي تمثل أحد أهم أعمدة الاستقرار الاجتماعي، ويحوّل ملايين المواطنين إلى أسر تعتمد على المساعدات بدلاً من العمل والإنتاج.
أين تذهب الموارد؟
يمتلك السودان موارد طبيعية وزراعية ومعدنية كبيرة، لكن امتلاك الثروات لا يعني بالضرورة أن المواطنين يستفيدون منها. وتظل إدارة الذهب، والإيرادات العامة، والتجارة الخارجية، والضرائب، والإنفاق العسكري، من الملفات التي تحتاج إلى شفافية ومراجعة مستقلة. يمضي خبراء إلى أنه حين تتراجع الخدمات العامة بينما تتزايد الأعباء المفروضة على المواطنين، يصبح من الضروري طرح أسئلة مباشرة على السلطات: أين تذهب إيرادات الذهب والصادرات؟ ما حجم الأموال المخصصة للإنفاق العسكري مقارنة بالصحة والتعليم؟ كيف تُحصّل الضرائب والرسوم، وأين تُصرف حصيلتها؟ لماذا يتحمل المواطن ارتفاع الأسعار بينما تتراجع قدرته على الحصول على الخدمات الأساسية؟ ما التدابير المتخذة لمنع تهريب الموارد ومكافحة الفساد والاحتكار؟  فلا يمكن مطالبة السودانيين بالصبر إلى أجل غير معلوم، بينما لا يجدون تفسيراً مقنعاً لكيفية إدارة موارد بلادهم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.