من المكر إلى الهاوية.. قصة حركةٍ قبضت الريح؟!

الجميل الفاضل

لا تُقاس التجارب السياسية ببداياتها، ولا بما ترفع من شعارات، بل بما تُنبت في آخر الطريق، وبما تتركه وراءها من وطنٍ أو خراب.
وفي صحائف التاريخ، كثيرًا ما يكون أول الخيط هو آخره.
فالمسار الذي يبدأ بالمكر، لا يلبث أن يستدعي الخداع؛ والخداع يستدعي التمويه؛ والتمويه يحتاج إلى كذبة، والكذبة تحتاج إلى قناع؛ ثم يحتاج هذا القناع نفسه إلى دولةٍ كاملة تحرسه.
هكذا بدأت قصة السودان مع الإسلاميين من بوابة الانقلاب، ومن تلك العبارة التي اشتهرت في ليلة الاستيلاء:
«اذهب إلى القصر رئيسًا، وسأذهب إلى السجن حبيسًا».
كانت العبارة، في رمزيتها، أكثر من مخاتلة سياسية؛ كانت إعلانًا عن طريقةٍ لإدارة الدولة استمرت إلى الآن لنحو أربعة عقود: أن يظهر شيء، ويُضمر شيء آخر؛ أن تُرى يدٌ في مكان، بينما تعبث أخرى في مكان آخر.
ومن هنا بدأ المكر يتناسل: افتراءٌ لتشويه الخصوم، وبهتانٌ لإرباك الناس، وإفكٌ لقلب الصورة، ثم تزويرٌ يكسو الزيف، ورياءٌ يصنع القناع، ونفاقٌ يمنح هذا القناع ذاته وجهًا آخر، ثم جاء التمكين.
فحين تُقدَّم رابطة التنظيم على رابطة الوطن، يصبح الولاء ميزانًا، والكفاءة سببًا للطرد؛ ويغدو القرب التنظيمي من مراكز التحكم والسيطرة أقصر الطرق إلى المواقع المتقدمة، فيما يُدفع بأهل الخبرة إلى الهامش، ويُطلب من الموهبة أن تثبت أولًا أنها طوع البنان.
ثم ظهر الوجه الآخر للمرض: التنافس الأسود؛ ذلك التنافس الذي لا يقول: أريد أن أتقدم عليك، إنما يقول: لا أريدك أن تتقدم عليّ.
وهنا لا يعود السياسي يحفر طريقًا يصعد فيه، إنما يحفر حفرةً يسقط فيها منافسوه.
فتأكل البلاد أبناءها ببطء: تأكل الموهبة حين يصبح الولاء شرطًا؛ وتأكل الخبرة حين يصبح «أهل الثقة» فوق «أهل الكفاءة»؛ وتأكل المبادرة حين يخاف الحركيون أن ترفع غيرهم خطوةً إلى فوق أو إلى أمام؛ وتأكل الثقة حين يتحول المجتمع كله إلى شبكةٍ من الشكوك.
هكذا صار الصراع، بدل أن يكون سباقًا نحو المستقبل، سباقًا إلى إسقاط الآخر.
واحدٌ يقبض السلطة، وآخر يقبض المال، وثالث يقبض الوعد؛ أما الكل.. فكان يقبض الريح.
كانت تلك هي المفارقة الكبرى: الحركة تحاول التقدم على حساب البلاد، والبلاد تتراجع على حساب الجميع.
حتى إذا اكتملت دائرة المكر، عاد المكر إلى أصحابه بقانون الإحاقة.
فما يُزرع في السياسة لا يبقى أثره فيها وحدها؛ إنه قد يعود يومًا في صورةٍ أخرى.
وهنا تبدو هذه الحرب، في أحد وجوهها، كأنها لحظة ارتداد كبرى: ارتداد الكيد إلى النحر، وإحاقة المكر السيئ بأهله؛ أو، بمعنى آخر، صيرورة تدبيرٍ أُدير طويلًا ضد الآخرين إلى نوعٍ من تدمير أصحابه أنفسهم.
إنها لحظة تحوُّل أدوات الصراع، التي أُديرت طويلًا ضد الآخرين، إلى نارٍ لا تميّز بين يدٍ أشعلتها ويدٍ حاولت الإفلات منها.
فمن عاش بالخداع، قد يجد نفسه ذات يوم ضحية خداع أيضًا؛ ومن بنى مجده على إسقاط الآخرين، قد يسقط قبلهم ولو بخطوة؛ ومن جعل الدولة غنيمة، قد يجد الغنيمة بين يديه رمادًا؛ ومن ظن أنه أمسك بمفاتيح البلاد، قد يكتشف متأخرًا أنه لم يمسك سوى بجمر الخيبة والعزلة والحظر.
لكن تظل الهاوية ليست قدرًا أبديًا، فالخروج منها لا يكون بإعادة إنتاج الأدوات ذاتها التي قادت إليها، ولا باستبدال مكرٍ بمكر، ولا بإحلال جماعةٍ محل جماعةٍ في لعبة الإقصاء المتبادل.
البداية دائمًا أبسط وأصعب: هي أن نتوقف عن إسقاط بعضنا بعضًا؛ أن نُفسد سوق الشائعة بالحجة، ودولة المحسوبية بالكفاءة، وثقافة الولاء بالمواطنة، ومنطق الغنيمة بدولة القانون.
فالوطن لا ينهض عندما ينتصر فيه بعض أبنائه على بعض، بل عندما يجد كل أبنائه مكانًا لهم فيه على قدم سواء.
ذلك هو الدرس الذي تركه المكر وراءه: أن من أراد أن يقبض على مصير السودان، قبض اليوم الريح.
فالسودان لا يُملك بالغلبة؛ إنما يُبنى بالحق، ويُحرس بالقانون، حتى يتسع صدره، في النهاية، لكل أبنائه بتسامحٍ ووئامٍ ومحبة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.