لم تكن العودة إلى الخرطوم بالنسبة إلى كثير من الأسر السودانية نهايةً لمعاناة النزوح واللجوء، كما تخيلوا، بل بدايةً لمرحلة جديدة من القلق والعجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة. عادوا حاملين أحلام استعادة منازلهم ولمّ شمل أسرهم والبدء من جديد، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع مختلف: أحياء تضررت بفعل الحرب، ومياه لا تصل بانتظام، وكهرباء غائبة، ومدارس خرجت من الخدمة، ومؤسسات صحية عاجزة عن تلبية احتياجات المرضى. وبينما كان هؤلاء يأملون أن تكون العودة إلى الوطن فرصةً لاستعادة الاستقرار، اكتشف كثيرون أن المنزل وحده لا يكفي لصناعة حياة طبيعية، وأن وجود سقف يأوي الأسرة لا يعني بالضرورة توافر المياه الصالحة للشرب أو العلاج أو التعليم أو حتى وسائل كسب العيش.
الأكثر قسوة أن بعض العائدين استنزفوا مدخراتهم خلال سنوات اللجوء، وأنفقوا ما تبقى منها على تكاليف العودة وإصلاح المنازل وشراء الاحتياجات الأساسية، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد: البقاء في مدينة تفتقر إلى الخدمات وفرص العمل، أو التفكير في مغادرة جديدة لا يملكون تكاليفها، بعدما فقدوا معظم ما ادخروه خلال سنوات الغربة. إنها مأساة العائدين الذين انتهت بهم رحلة البحث عن الأمان إلى واقع لا تتوافر فيه الشروط الأساسية لحياة كريمة.
العودة لا تعني التعافي
تكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة عن حجم حركة العودة إلى السودان، بما في ذلك ولاية الخرطوم التي استقبلت أعداداً كبيرة من السكان بعد سنوات من النزوح واللجوء. وبحسب تقرير مصفوفة تتبع النزوح الصادر في يونيو 2026، بلغ عدد العائدين إلى السودان نحو 4.65 مليون شخص حتى نهاية يونيو، بينهم نحو 2.27 مليون عادوا إلى ولاية الخرطوم. وتشمل هذه الأرقام العائدين من النزوح داخل السودان ومن الخارج، ولا تعني بالضرورة أن جميعهم عادوا من بلدان اللجوء.
ورغم اتساع حركة العودة، فإن الأرقام لا تعكس وحدها حجم التحديات التي تواجه الأسر بعد وصولها. فالمعيار الحقيقي لنجاح العودة ليس عدد الأشخاص الذين عبروا الحدود أو وصلوا إلى منازلهم، وإنما قدرتهم على استعادة حياة آمنة ومستقرة، تتوافر فيها الخدمات وفرص العمل ومقومات العيش الكريم.
وفي يوليو 2026، نقلت وكالة رويترز صورةً عن واقع العاصمة، مشيرة إلى أن أكثر من مليوني شخص عادوا إلى الخرطوم، بينما لا تزال أجزاء واسعة منها تعاني من انقطاع الكهرباء وتضرر المباني وتعطل التعليم والخدمات العامة. وأشارت الوكالة إلى أن بعض الأسر عادت على مضض بعد مواجهة صعوبات أمنية ومعيشية في بلدان اللجوء. وهكذا، يجد العائدون أنفسهم أمام واقع تتداخل فيه آثار الحرب مع أعباء الحياة اليومية: منزل يحتاج إلى الترميم، وأطفال يحتاجون إلى المدارس، ومرضى يحتاجون إلى العلاج، وأسر تحتاج إلى مصدر دخل يعيد إليها شيئاً من الاستقرار.
غياب الماء والكهرباء..
تظل المياه والكهرباء من أبرز التحديات التي تواجه السكان العائدين إلى المناطق المتضررة في الخرطوم. فعودة الأسر إلى أحيائها لا تعني بالضرورة عودة شبكات المياه والإمداد الكهربائي إلى العمل بصورة منتظمة. وقد تضررت البنية التحتية خلال الحرب، فيما تعيق محدودية الموارد وارتفاع تكاليف الإصلاح إعادة الخدمات إلى مستوياتها السابقة. وأشارت المنظمة الدولية للهجرة، في تقرير للأمم المتحدة عن العودة إلى الخرطوم، إلى أن كثيراً من الأسر وجدت منازل متضررة أو غير صالحة للسكن، مع استمرار نقص الكهرباء والمياه النظيفة ومحدودية الرعاية الصحية.
وتنعكس هذه الظروف على مختلف تفاصيل الحياة، بدءاً من إعداد الطعام وحفظ الأدوية، مروراً بنظافة المنازل ورعاية الأطفال، وانتهاءً بقدرة أصحاب المهن الصغيرة على استئناف أعمالهم. كما يفرض غياب الكهرباء أعباء إضافية على الأسر التي تحاول تشغيل مضخات المياه أو الاعتماد على الطاقة الشمسية، في وقت لا تستطيع فيه غالبية الأسر محدودة الدخل تحمل تكاليف تجهيز أنظمة بديلة.
الصحة والتعليم..
تتضاعف معاناة العائدين عندما يحتاج أحد أفراد الأسرة إلى العلاج ولا يجد مركزاً صحياً قريباً يعمل بكامل طاقته، أو عندما يعود الأطفال إلى أحياء لا تتوافر فيها مدارس مناسبة لاستقبالهم. ووفق تقرير لمصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، فإن 18% من الأسر العائدة التي احتاجت إلى الرعاية الصحية لم تتمكن من الحصول على العلاج أو الرعاية المطلوبة، بينما أبلغت 29% من الأسر العائدة عن مشكلات تتعلق بمرافق الصرف الصحي.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة بين العودة الجغرافية والعودة الفعلية إلى الحياة الطبيعية. فوجود الأسرة داخل منزلها لا يضمن قدرتها على الوصول إلى الطبيب أو الحصول على المياه الآمنة أو إرسال أطفالها إلى المدرسة. ويحتاج التعافي إلى إعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية، وتوفير الأدوية والكوادر الطبية، وصيانة المدارس، وإعادة المعلمين، وتأمين وسائل النقل والخدمات الأساسية التي تجعل الحياة اليومية ممكنة. ومن دون هذه التدخلات، قد تتحول العودة إلى عبء إضافي على أسر تعاني أصلاً من الفقر وفقدان مصادر الدخل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.