المسار الخطأ

أطياف ــ صباح محمد الحسن

(الشعب يقع ضحية لعجز البرهان الذي يقف مكبلاً بمعادلة “حلف الضرورة”؛ فهو من جهة يواجه غضباً شعبياً عارماً جراء الانهيار الاقتصادي، ومن جهة أخرى يخشى تفكيك تحالفاته العسكرية.. وإلي متى يُعامل مسار جوبا بهذه الحصانة المطلقة؟!)

طيف أول:
ما كانت مساحات الذاكرة والخُطى إلا مزيجَ حكايا وألحانٍ لم تُختتم!

وبالأمس، اختُتمت الزاوية بسؤال جوهري ومباشر ، لماذا يطلب البرهان من وزير المالية جبريل إبراهيم تقديم استقالته بدلاً من إقالته مباشرة؟
وبالعودة إلى ما أسماه الفريق عبد الفتاح البرهان “مساراً تصحيحياً” في عام 2021، نجد أن الجنرال قد انقلب على حكومة كاملة متذرعاً بحجج واهية غير أن الواقع اليوم يشهد تدهوراً معيشياً غير مسبوق لم يعانِ منه المواطن السوداني قط، لا في عهد تلك الحكومة ولا في حكومات سابقة، حيث بلغ السيل الزبى، وفاض بالناس ضيق العيش والعوز.
وفي الوقت الذي يكتوي فيه المواطن بنار الغلاء وانعدام سبل الحياة، تخرج وزارة الخارجية السودانية لتنفي مجدداً وجود “مجاعة”، مبررة المطالبات الإنسانية والهدن بأنها مجرد ذرائع سياسية؛ وهو موقف يعكس فجوة عميقة وعزلة تامة بين لغة البيانات الرسمية وواقع الملايين الذين يواجهون الموت ببطء.
وأمام هذا التمادي في الانهيار الاقتصادي المروع واتساع رقعة المعاناة، تبرز دلالات الصمت المريب والإنكار المستمر لتؤكد غياب المساءلة الحقيقية، والهروب إلى الأمام عبر تبادل الاتهامات بدلاً من اتخاذ قرارات جريئة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ومن هنا تتسلل التساؤلات المشروعة لتفرض نفسها بقوة:
لماذا لا تتحمل الحكومة الحالية مسؤولية هذا الفشل وترحل
ولماذا لم يفكر البرهان في تصحيح المسار مجدداً، طالما أثبت للعالم كله أنه صانع “المسار الخطأ”؟
ألم يؤكد الجنرال مراراً أن المؤسسة العسكرية تنحاز إلى المواطن؟!
فأين هذا الانحياز الموعود، والشعب يمر بأقسى الظروف التي تجعله الآن في أوج الحاجة إلى هذا الانحياز؟
ولماذا لا يرد الجيش دينه بعد ماوقف معه كثير من المواطنين وساندوه في حربه
فالبرهان يؤكد يومياً أن انقلابه على الحكومة كان مجرد خطوة خبيثة للانفراد بالسلطة، ليصبح المواطن وهمومه آخر ما يبالي به.
أما وزير المالية جبريل إبراهيم، الذي يتحمل المسؤولية الكبرى في هذا الفشل والانهيار، فإلى متى يصر على البقاء وزيراً “مدى الحياة” رغم تعاقب الأزمات وفشل السياسات المالية
إن ديمومة هذا الصمت والإنكار المطبق تترك السودانيين وحدهم في مواجهة مصيرهم، فإلى متى يستمر هذا التجاهل بينما تطحن المعاناة الملايين وتغلق أبواب الأمل في وجه وطن بأكمله!!
فاتفاق جوبا للسلام يجب ألا يتحول، في معادلة السلطة الحالية، إلى نص مقدس أو “قرآن منزل” لا يمكن المساس به؛ إذ يجد الفريق عبد الفتاح البرهان نفسه مكبلاً بحلف الضرورة والعجز عن إقالة وزير المالية جبريل إبراهيم بشكل مباشر، مكتفياً بمطالبته بالاستقالة، نظراً لأن بقاءه يمثل استحقاقاً ومحاصصة سياسية وعسكرية تخشى القيادة العسكرية المساس بها، تجنباً لأي تفكك في التحالفات الهشة أو صدام مع الحركات المسلحة التي تتخذ من الاتفاق درعاً وحصانة تحمي مصالح ومناصب أفرادها.
وفي ظل غياب الإرادة والجرأة السياسية، والاعتماد على سياسة إدارة الأزمات بالمسكنات، يستمر هذا الجمود المعطِّل على حساب لقمة عيش المواطن الذي يعاني من ويلات انهيار اقتصادي مروع،
ويكرس هذا الصمت المريب والإنكار المستمر غياب المساءلة ليظل السؤال معلقاً وموجعاً: إلى متى يُعامل مسار جوبا بهذه الحصانة المطلقة؟!
غير أن السؤال الأعمق هو: هل الحفاظ على الشراكات والمحاصصات يجري على حساب كرامة المواطن وحياته؟
إن الدول العظمى لا تتردد في تعديل نصوصها، بل وتعليق دساتيرها بأكملها، متى ما استوجبت مصلحة شعوبها وكرامتها ذلك؛ فالتشريعات والقوانين في الأصل ما صُنعت إلا لخدمة الإنسان وحمايته، فإن عجزت عن توفير العيش الكريم وفقدت وظيفتها الأساسية، فما قيمتها وما معنى وجودها!!

طيف أخير:
#لا_للحرب
قالت وزارة الدفاع السودانية: “يجب عدم التدخل في الشؤون الداخلية وتطبيق بنود إعلان جدة بوقف دعم الجماعات المسلحة”.
ومن الذي يقود البلاد إلى مزيد من التدخل أكثر من الحكومة السودانية التي ترفض الهدنة ودخول المساعدات وتضع البلاد الآن اقتصاديا وأمنيا في مهب الريح؟
فماذا تنتظر غير التدخل ؟!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.