أعترف اليوم بأنني كنت أتشَكَّك في عبارة «ثورة الجياع»، التي طالما ترددت في أدبيات السياسيين والناشطين والعاملين في الحقل الطوعي والإنساني. كنت أرى فيها، ربما، شيئًا من المبالغة في تقدير قدرة الجوع على تحويل المعاناة إلى وعي، والوجع إلى إرادة، والاحتجاج المتفرق إلى حركة شعبية تتجاوز الخوف وتكسر جدار الصمت.
لكنني أجدني اليوم أمام مشهد يدعوني إلى مراجعة ذلك التشكيك. فقد تكفّل البرهان، بتصرفاته وسياساته وقراراته، بأن يضع هذه العبارة على محك الواقع، وأن يمنحها من شواهد الحياة ما لم تستطع الخطب السياسية أن تمنحها. كأنما قرر أن يتولى بنفسه قيادة ثورة الجياع ضده، وأن يحفر بيديه قبرا للسلطة التي يتشبث بها، ظانًّا أن بإمكانه إخضاع شعب أنهكته الحرب، وأثقلته المعيشة، وأذلّه العوز، إلى ما لا نهاية.
إن للجوع لغة لا تحتاج إلى مترجم، وللظلم حدودًا لا تستطيع السلطة تجاوزها إلى الأبد. قد يصبر الناس طويلًا، وقد يتفرقون تحت ضغط الحاجة، وقد ينشغل كل امرئ بتدبير لقمة يومه، حتى يبدو أن المجتمع قد استسلم للأمر الواقع. لكن هذا الصبر ليس تفويضًا مفتوحًا، والصمت ليس رضًا، والانشغال بالبقاء لا يعني موت الإرادة.
حين تتراكم المظالم، يتغير معنى الجوع. فلا يعود مجرد نقص في الطعام، بل يصبح سؤالًا عن جدوى السلطة، وعن معنى الدولة، وعن حق الإنسان في حياة لا يُستنزف فيها عمره كله من أجل البقاء. وعندما يبلغ هذا السؤال وعي الناس، فإنهم لا يخرجون إلى الشوارع من أجل الرغيف وحده، بل من أجل الكرامة والأمان والعدالة، ومن أجل استرداد حقهم في أن تكون الدولة بيتًا لهم، لا عبئًا عليهم.
وها هي الاحتجاجات، بحسب ما يتكشف من مشاهد الحراك، تضع سلطة بورتسودان أمام اختبار عسير. لم يعد الغضب حبيس مدينة أو فئة اجتماعية، بل أخذ يطل برأسه من أكثر من موضع، فيما يتقدم المعلمون في الخرطوم صفوف الحراك، لا بوصفهم أصحاب مطالب مهنية فحسب، بل باعتبارهم جزءًا أصيلًا من مجتمع أنهكته الحرب، وأثقلته الأعباء، وضاقت به سبل العيش.
وليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة. فالمعلم الذي يصنع العقول ويؤسس لوعي الأجيال، حين يخرج مطالبًا بحقه، إنما يذكّر المجتمع بأن الحقوق لا تُنال بالتوسل، وأن الصبر لا يعني القبول بالإذلال. وحين يتحرك المعلمون، فإن وراء مطالبهم المباشرة سؤالًا أكبر: أي مستقبل ينتظر بلدًا يُترك فيه صانع الوعي عاجزًا عن تأمين ضروريات حياته؟
لقد كان معلمو الخرطوم رأس الرمح في هذا الحراك، ورأس الحربة في مواجهة واقع لم يعد يحتمل مزيدًا من الاحتمال. وليس من المصادفة أن يتجدد هذا الصوت في أكتوبر، شهر الثورات السودانية، الذي ارتبط في الذاكرة الوطنية بقدرة الشعب على استعادة المبادرة حين تبلغ الأزمات مداها. فأكتوبر ليس مجرد تاريخ في التقويم، ولا ذكرى تُستدعى في المناسبات؛ إنه سؤال يتجدد في وجه كل سلطة: ماذا يبقى من شرعيتك حين يفقد الناس أسباب الحياة، ويغدو الخوف أقل وطأة من استمرار الواقع؟
لقد علّمتنا التجربة أن السلطة التي تتوهم أن القوة وحدها تصنع الاستقرار إنما تؤجل انفجار أزماتها، ولا تعالجها. وأن من يخلط بين بقاء الدولة وبقاء سلطته، وبين طاعة الناس ورضاهم، لا يرى التصدعات وهي تتسع تحت قدميه. فالدولة لا تُبنى بإرهاب المجتمع، ولا تُحمى بتجويعه، ولا تستمد شرعيتها من إطالة الحرب، بل من قدرتها على صون الحياة، وإقامة العدل، وفتح الطريق أمام السلام.
أما الحركة الإسلامية التي حكمت السودان عقودًا، ثم تركت وراءها ميراثًا ثقيلًا من الاستقطاب والحروب وتفكيك مؤسسات الدولة، وعديد المليشيات فلا يمكنها أن تعزل نفسها عن مسؤولية ما آل إليه الوطن. إن تغيير الواجهات، وإعادة تدوير الشعارات، واستدعاء الخوف من الآخر، لن يمحو ذاكرة الناس، ولن يجعل التجربة التي عاشوها كأنها لم تكن. فالأوطان لا تُسترد بالشعارات، والتاريخ لا يُمحى بالدعاية، والحقائق التي تكشفها المعاناة اليومية لا تستطيع الخطب أن تحجبها إلى الأبد.
ويبدو أن أكتوبر يطل هذه المرة محمّلًا بأسئلة جديدة، في بلد أنهكته الحرب، وتشرّد أبناؤه، وتقطّعت أوصال مجتمعه. غير أن أي حراك شعبي لا يكتسب قيمته بمجرد اتساعه، بل بقدرته على تحويل الغضب إلى وعي، والاحتجاج إلى مشروع، والمطالب العاجلة إلى طريق نحو دولة المواطنة والحرية والسلام والعدالة. فالثورات لا تكتمل بمجرد إسقاط سلطة، وإنما باقتلاع الأسباب التي أعادت إنتاج الاستبداد، وبناء مؤسسات لا تُختطف لمصلحة جماعة، ولا تُسخَّر لإخضاع شعب.
إن اقتلاع جذور الاستبداد من أرض السودان ليس أمنية عابرة، ولا نبوءة تُغني عن العمل؛ إنه مسار تصنعه تجارب الناس، وتراكم وعيهم، وإصرارهم على ألا يعودوا إلى الدائرة القديمة. وقد تتعثر الخطوات، وقد تحاول القوى المستفيدة من الفوضى إجهاض كل محاولة للتغيير، لكن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب هي أن الشعوب التي تدفع ثمن الحروب والجوع لا يمكن أن تظل إلى الأبد خارج معادلة تقرير مصيرها.
كنت أتشَكَّك في «ثورة الجياع»، أما اليوم فقد أدركت أن الجوع، حين يقترن بالوعي، لا يظل جوعًا؛ إنه يتحول إلى سؤال سياسي وأخلاقي، ثم إلى فعل اجتماعي قد تعجز السلطة عن احتوائه. ولعل المفارقة الكبرى أن الحاكم، وهو يسعى إلى إحكام قبضته، قد يصبح بقراراته عاملًا في جمع المتفرقين، وتوحيد المتضررين، وإيقاظ الذين ظن أنهم استكانوا.
فيا أيها الغافلون عن سنن التاريخ، لا تراهنوا على جوع الناس، ولا على إنهاكهم، ولا على أن طول المعاناة سيقتل فيهم الرغبة في التغيير. فكم من سلطة ظنت أن الشعب قد انكسر، فإذا بصمته كان يجمع أسباب انتفاضته، وكم من حاكم ظن أنه يحفر خندقًا يحميه، فإذا به يحفر قبره بيديه.
إن اقتلاع جذور الاستبداد يبدأ حين يدرك الناس أن مصيرهم ليس قدرًا تكتبه السلطة نيابة عنهم، وأن الخلاص لا تصنعه المعجزات، بل الوعي والعمل المنظم والإرادة الحرة.
فأين المفر، أيها الغافلون، من شعب بدأ يستعيد صوته؟ وأين المفر من حقائق الحياة حين تتكلم، ومن سنن التاريخ حين تمضي، ومن إرادة الناس حين تقرر ألا تعود إلى الوراء؟
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.