«خيرنا لينا».. هل يعقل أن يجوع السودان في أرضٍ تنبت الذهب والقمح؟

تقرير: عين الحقيقة

 

كيف يمكن لبلدٍ يمتلك أراضي زراعية واسعة، وثروة حيوانية ضخمة، وموارد معدنية متنوعة، ومياه وأراضي قابلة للإنتاج، أن يجد ملايين من مواطنيه أنفسهم أمام شبح الجوع وسوء التغذية؟ وكيف يتحول السودان، الذي طالما عُرف بإمكاناته الزراعية، إلى بلدٍ يحتاج فيه الملايين إلى المساعدات الغذائية، بينما تظل ثرواته عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لأبنائه؟ إنه السؤال الذي يختصر واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً في واقعنا السوداني: بلد غني بالموارد، لكن شعبه يدفع ثمن الفقر والجوع والانهيار الاقتصادي. ومن هنا تأتي أهمية شعار «خيرنا لينا»؛ ليس باعتباره مجرد عبارة عاطفية أو دعوة للاستهلاك المحلي، وإنما باعتباره مشروعاً وطنياً لإعادة التفكير في طريقة إدارة موارد السودان، وكيفية تحويلها إلى إنتاج حقيقي، وفرص عمل، وغذاء متاح، واقتصاد يخدم المواطن قبل أي جهة أخرى.

 

استغلال الموارد

الباحث الاقتصادي خالد عثمان يذهب إلى أن السودان لا تنقصه الثروات.. بل تنقصه القدرة على توظيفها، حيث لا يحتاج السودان إلى إثبات امتلاكه مقومات النهوض الاقتصادي. فالأراضي الزراعية الواسعة، وتنوع المناخ، والثروة الحيوانية، والذهب والمعادن الأخرى، إلى جانب فرص الاستثمار في الصناعات الغذائية والتحويلية، تمثل قاعدة يمكن البناء عليها لإحداث تحول اقتصادي حقيقي. ويمضي: لكن امتلاك الموارد شيء، والقدرة على استغلالها بكفاءة شيء آخر تماماً. فالثروة التي تبقى في باطن الأرض لا تطعم جائعاً، والمحصول الذي لا يجد طريقه إلى الأسواق لا يحل أزمة الغذاء، والقطن الذي يُصدّر مادة خاماً دون تصنيع محلي لا يخلق القيمة المضافة التي يمكن أن يوفرها لصناعة وطنية متكاملة. لقد أظهرت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 مدى هشاشة الاقتصاد السوداني، وحجم اعتماده على أنشطة إنتاجية أصبحت معرضة للتعطل والتدمير، فضلاً عن ضعف البنية التحتية واضطراب سلاسل الإمداد وتراجع قدرة مؤسسات الدولة على تقديم الخدمات.

وفقاً للبنك الدولي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسودان بنحو 29.4% في عام 2023، ثم بنحو 14% في عام 2024. ورغم تسجيل نمو تقديري في عام 2025، فإن التعافي من قاعدة اقتصادية منهارة لا يعني أن المواطن قد استعاد قدرته الشرائية أو أن الأزمة المعيشية انتهت. وهنا تكمن المشكلة: السودان لا يعاني فقط من نقص الموارد، بل من تعطل القدرة على تحويل موارده إلى قيمة اقتصادية تصل إلى حياة الناس.

شبح المجاعة.. حين يعجز المنتج عن إطعام نفسه

تبدو المفارقة أكثر قسوة عندما ننظر إلى حجم أزمة الغذاء. هكذا بدأ الخبير الاقتصادي كمال حسين حديثه، مضيفاً: فبحسب تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادر في مايو 2026، واجه نحو 19.5 مليون شخص في السودان مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، تعادل المرحلة الثالثة أو ما فوقها على مقياس التصنيف، خلال الفترة من فبراير إلى مايو 2026. كما أشار التحليل إلى وجود مناطق مهددة بخطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان في ظل سيناريوهات تتفاقم فيها النزاعات ويتراجع الوصول إلى الغذاء والمساعدات.

ومضى: تؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن النزاع والنزوح وتعطل سبل العيش ونقص المدخلات الزراعية وارتفاع أسعار الحبوب عوامل رئيسية وراء تفاقم الأزمة. المصادر: التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي ومنظمة الأغذية والزراعة.

وهذه الأرقام لا تعني أن كل السودان يعاني الظروف نفسها، لكنها تكشف عن أزمة وطنية عميقة لا يمكن التعامل معها بوصفها حالة طارئة محدودة. فالمزارع الذي فقد أرضه أو تعذر عليه الوصول إليها، والذي لا يستطيع شراء البذور والأسمدة والوقود، لن يتمكن من إنتاج الغذاء مهما كانت خصوبة الأرض. والتاجر الذي يواجه طرقاً غير آمنة وتكاليف نقل مرتفعة لن يستطيع إيصال السلع بسهولة إلى المناطق المحتاجة. والأسرة التي فقدت دخلها لن تستفيد بالضرورة من وجود الغذاء في السوق إذا عجزت عن شرائه.والمجاعة لا تعني دائماً أن الأرض توقفت عن الإنبات؛ فقد تكون النتيجة أيضاً أن الإنتاج تعطّل، أو أن الغذاء تعذر نقله، أو أن الناس فقدوا القدرة على الوصول إليه. وهذا ما يجعل معالجة الأزمة الاقتصادية والغذائية مرتبطة ارتباطاً مباشراً بوقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الطرق أمام التجارة والمساعدات، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية.

«خيرنا لينا».. من الشعار إلى المشروع الوطني

الناشطة المدنية هُيام النور تقول: إذا أردنا أن يكون شعار «خيرنا لينا» أكثر من مجرد كلمات، فعلينا أن نترجمه إلى سياسات عملية تعيد بناء الاقتصاد من أساسه. فالسودان لا ينبغي أن يكتفي بإنتاج المواد الخام وتصديرها، ثم يعود إلى استيراد السلع المصنعة بأسعار مرتفعة. كما لا ينبغي أن يظل رهيناً للأسواق الخارجية في تأمين احتياجات يمكن إنتاج جانب كبير منها محلياً متى توافرت الظروف المناسبة. ويمكن لهذا الشعار أن يتحول إلى برنامج اقتصادي وطني يقوم على خمسة مسارات أساسية: أولاً: استعادة الزراعة باعتبارها أولوية للأمن القومي.  تحتاج المشاريع الزراعية والمزارع الصغيرة إلى البذور المحسنة والأسمدة والوقود والتمويل، إلى جانب تأهيل قنوات الري والطرق الزراعية ومراكز التخزين.كما ينبغي توفير الحماية للمزارعين وتمكينهم من الوصول إلى أراضيهم وتسويق منتجاتهم.وتمضي هيام إلى أنه لا معنى للحديث عن الأمن الغذائي إذا كان المنتج نفسه عاجزاً عن تمويل الموسم الزراعي، أو إذا كان يخشى فقدان محصوله قبل وصوله إلى الأسواق.ام ثانياً: التصنيع المحلي بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.  يمتلك السودان فرصاً واسعة في تصنيع المنتجات الزراعية والحيوانية، بما في ذلك الزيوت النباتية، والأعلاف، والمنتجات الجلدية، واللحوم، والألبان، والصناعات المرتبطة بالقطن والصمغ العربي. إن تحويل المواد الخام إلى منتجات مصنعة يرفع قيمتها، ويوفر وظائف، ويخلق أسواقاً للمنتجين، ويزيد الإيرادات التي يمكن أن تبقى داخل الاقتصاد الوطني.

ولا يعني ذلك وقف التجارة الخارجية، بل بناء علاقة أكثر توازناً معها: نصدر ما يحقق عائداً مناسباً، ونصنع محلياً حيث تتوافر الجدوى الاقتصادية، ونستورد ما نحتاج إليه بكفاءة وشفافية.

«خيرنا لينا» ليست دعوة إلى الانغلاق عن العالم، ولا وعداً بحلول سحرية، بل دعوة إلى أن يكون إنتاج السودان في خدمة شعبه، وأن تتحول ثرواته إلى غذاء وعمل وصناعة وخدمات، وأن يصبح المواطن شريكاً في التنمية لا مجرد متفرج على أرقام الموارد والصادرات. فالسودان يحتاج إلى أن يستخرج من ثرواته أسباب الحياة والكرامة والأمل. وحين تصبح الأرض منتجة، والمصانع عاملة، والأسواق آمنة، وعوائد الموارد خاضعة للمساءلة، يمكن أن يتحول شعار «خيرنا لينا» من أمنية شعبية إلى مشروع وطني حقيقي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.