ورطة العائدون من اللجوء.. الخرطوم.. عودة إلى المنازل أم مواجهة مع الفقر والغلاء؟
الخرطوم – عين الحقيقة
لم تكن العودة إلى الخرطوم، بالنسبة إلى آلاف الأسر السودانية التي اضطرتها الحرب إلى مغادرة منازلها واللجوء إلى دول الجوار، نهايةً لمعاناة النزوح بقدر ما كانت بدايةً لاختبار اقتصادي واجتماعي بالغ القسوة. فبين منزلٍ يحتاج إلى ترميم، وسوقٍ ترتفع فيه تكاليف المعيشة، وخدماتٍ أساسية لم تستعد عافيتها، يجد العائدون أنفسهم أمام واقعٍ مختلف عمّا تمنوه حين قرروا الرجوع إلى ديارهم. عاد كثيرون بحثاً عن الأمان ولمّ شمل الأسرة واستعادة الحياة التي انقطعت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، فيما دفعت آخرين صعوبات المعيشة في بلدان اللجوء إلى اتخاذ قرار العودة، رغم إدراكهم أن الظروف داخل السودان لا تزال معقدة. لكن الوصول إلى الخرطوم لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على البقاء فيها؛ فالمشكلة لم تعد محصورة في تأمين مكان للإقامة، وإنما امتدت إلى كيفية تدبير الطعام والعلاج والتعليم والمواصلات والكهرباء، في ظل موارد مالية محدودة وفرص عمل غير مستقرة.
عودة واسعة.. واستقرار اقتصادي غائب
تكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن حركة العودة إلى السودان اتسعت بصورة ملحوظة خلال عامي 2025 و2026، مع تسجيل عودة ملايين الأشخاص إلى مناطقهم الأصلية. وأظهرت بيانات المنظمة في نهاية مارس 2026 أن إجمالي العائدين إلى السودان بلغ نحو أربعة ملايين شخص، بينهم أعداد كبيرة عادت إلى ولاية الخرطوم، بينما كانت الغالبية العظمى من العائدين قد نزحت سابقاً داخل البلاد، إلى جانب عائدين من الخارج.
وتشير هذه الأرقام إلى أن العودة أصبحت ظاهرة واسعة، لكنها لا تعني بالضرورة أن جميع العائدين تمكنوا من استعادة مصادر دخلهم أو استقرارهم المعيشي. فهناك فرق كبير بين العودة الجغرافية إلى المنزل والعودة الاقتصادية إلى الحياة الطبيعية؛ إذ قد يجد المواطن نفسه داخل بيته، لكنه عاجز عن توفير احتياجات أسرته الأساسية. وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تكون الأسرة قد استهلكت مدخراتها خلال فترة اللجوء، أو باعت ما تملك لتغطية تكاليف السفر والإقامة، ثم عادت لتواجه سوق عمل محدوداً، وأصولاً متضررة، وتكاليف إصلاح مرتفعة.
الخرطوم.. إمكانات محدودة
على الرغم من عودة النشاط إلى أجزاء من العاصمة، فإن الأضرار التي لحقت بالمباني والبنية التحتية والأسواق والخدمات لا تزال تشكل عائقاً أمام استعادة الحياة الاقتصادية بصورة طبيعية. وفي تقرير نشرته وكالة رويترز في 10 يوليو 2026، أشارت إلى أن أكثر من مليوني شخص من النازحين من الخرطوم عادوا إلى العاصمة، لكن المدينة ظلت تواجه تحديات كبيرة في استقبالهم، من بينها تضرر المباني والبنية التحتية، وضعف إمدادات الكهرباء، والصعوبات التي تواجه المؤسسات التعليمية والأنشطة التجارية. رويترز، 10 يوليو 2026.
وتنعكس هذه الظروف مباشرة على ميزانية الأسرة. فالمواطن الذي كان يخطط للعودة إلى منزله قد يكتشف أنه بحاجة إلى نفقات إضافية لإصلاح الأبواب والنوافذ وشبكات المياه والكهرباء، أو إلى استئجار مسكن بديل إذا تعذر السكن في منزله الأصلي.
كما أن تراجع النشاط التجاري في بعض المناطق، وتضرر الأسواق ومرافق النقل، يحدان من قدرة العائدين على الحصول على وظائف مستقرة أو استعادة مشروعاتهم الصغيرة. وهكذا تتحول العودة، بالنسبة إلى بعض الأسر، إلى معادلة صعبة تجمع بين ارتفاع النفقات وضعف الدخل.
الغلاء يلتهم ما تبقى من المدخرات
تظل تكاليف الغذاء والسكن والنقل والعلاج من أبرز مصادر الضغط على الأسر العائدة. فحتى عندما تتوافر السلع في الأسواق، لا يعني ذلك أن المواطنين قادرون على شرائها، خصوصاً مع تآكل القوة الشرائية للأجور والمدخرات. ويشير البنك الدولي، في تحليله للاقتصاد السوداني، إلى أن الحرب أحدثت انكماشاً حاداً في النشاط الاقتصادي؛ إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 29.4% في عام 2023، وبنسبة إضافية بلغت 14% في عام 2024، نتيجة تضرر القدرات الإنتاجية وتعطل الخدمات والتجارة والزراعة. ورغم تقدير البنك حدوث نمو اقتصادي بنحو 3.1% في عام 2025، فإن هذا التحسن جاء من قاعدة اقتصادية شديدة الانخفاض، ولا يعني أن آثار الأزمة قد زالت عن الأسر. البنك الدولي – الاقتصاد السوداني. وتكمن خطورة هذه المؤشرات في أن التعافي الاقتصادي العام لا ينعكس بالضرورة وبالسرعة نفسها على دخل المواطن. فقد تتحسن بعض الأنشطة التجارية، بينما تظل أسر كثيرة بلا وظائف أو مصادر دخل منتظمة، ويستمر أصحاب الدخول المحدودة في مواجهة ارتفاع الأسعار وتكاليف الخدمات. وبالنسبة إلى العائدين من اللجوء، تصبح المسألة أكثر إلحاحاً؛ لأنهم يحتاجون إلى تمويل مزدوج: نفقات إعادة تأسيس حياتهم في الخرطوم، ونفقات المعيشة اليومية التي لا يمكن تأجيلها.
العودة تحتاج إلى دخل وخدمات
من منظور التحليل الاقتصادي، لا يمكن قياس نجاح العودة بعدد الأشخاص الذين وصلوا إلى مناطقهم، بل بقدرتهم على الاستقرار والإنتاج والحصول على الخدمات الأساسية. ويمكن استخلاص ثلاثة محاور رئيسية من تقارير المؤسسات الاقتصادية والإنسانية بشأن أزمة السودان: أولاً: استعادة فرص العمل والإنتاج. تؤكد مؤشرات البنك الدولي أن تضرر القطاعات الإنتاجية والخدمية يمثل أحد جذور الأزمة. ومن ثم، فإن توفير فرص العمل، وإعادة تشغيل الأسواق والمشروعات الصغيرة، واستعادة الخدمات المالية والاتصالات، عوامل أساسية لتحويل العودة من حركة سكانية إلى استقرار اقتصادي مستدام. ثانياً: معالجة أزمة القوة الشرائية. لا تكفي عودة السلع إلى الأسواق إذا كانت أسعارها تتجاوز قدرة الأسر على الشراء. وتبرز هنا أهمية استقرار الاقتصاد الكلي، وتخفيف اختناقات الإمداد، ودعم الأسر الأكثر هشاشة بوسائل تساعدها على تلبية احتياجاتها الأساسية. ثالثاً: ربط إعادة الإعمار بالحماية الاجتماعية. يحتاج العائدون إلى حلول متكاملة تشمل السكن والمياه والكهرباء والصحة والتعليم، إلى جانب الدعم النقدي أو المساعدات المعيشية للفئات التي فقدت مصادر دخلها.
بين ضيق اللجوء وقسوة العودة
لا يمكن فهم قرارات العودة بمعزل عن الظروف التي عاشتها الأسر في بلدان اللجوء. فبعض العائلات واجهت ارتفاع تكاليف الإيجار والمعيشة، وصعوبات الحصول على العمل، وتعقيدات قانونية وإدارية، فضلاً عن الرغبة في لمّ شمل الأسرة أو الاطمئنان على الممتلكات. وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن دوافع العودة من الخارج شملت تحسن الأوضاع الأمنية في مناطق الأصل، إلى جانب اعتبارات عائلية واقتصادية وصعوبات واجهها بعض العائدين في بلدان الاستضافة. بيانات المنظمة الدولية للهجرة عن العودة عبر الحدود.
لكن المفارقة أن الأسرة قد تغادر بلد اللجوء هرباً من ضغوط المعيشة، ثم تصل إلى الخرطوم لتجد نفسها أمام ضغوط مختلفة لا تقل صعوبة. وفي الحالتين، تكون الخيارات محدودة عندما يغيب الدخل المستقر والسكن المناسب وشبكات الحماية الاجتماعية.
وتزداد المخاطر على الأسر التي تضم أطفالاً في سن الدراسة، أو مرضى يحتاجون إلى علاج منتظم، أو كبار سن، أو أفراداً فقدوا وظائفهم ومدخراتهم. فهذه الفئات تحتاج إلى أكثر من مجرد تسهيل العودة؛ إنها تحتاج إلى ضمانات عملية تساعدها على الاستمرار بعد الوصول.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.